المبحث الخامس
الترجيح بدلالة السياق القرآني
المراد بسياق القرآن هنا: (الآيات التي تسبق موضع الشاهد وتتبعه) ولدلالة السياق أثر كبير في فهم المعنى المنشود من الآية من حيث الموضوع، والخطاب، والأسباب التي أدت إليه، والآثار المترتبة عليه. ذلك لأن مقتضى البلاغة ارتباط الكلام بسابقه ولاحقه ارتباطًا يحوي المعنى ويضمه دون انفصال أو تشتت، بل مع حسن انتقال وتدرج في مراقي المباني والمعاني.
ولكتاب اللَّه وكلامه من هذه المعاني أسماها وأوفاها، كيف لا واللَّه قد قال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ...) الآية.
وهذه الدلالة لا تختص بأسباب النزول، بل هي جوهرية لفهم أيِّ نص كان سواءٌ أكان النص إلهيًا أم نبويًا أم من سائر الكلام، إلا أن دلالة السياق القرآني أبلغ أثرًا من كل سياق؛ لأن القرآن العظيم لا يطرقه احتمال الخطأ والوهم بخلاف غيره فقد أصابه حظه من ذلك.
ولئن كانت دلالة سياق القرآن في فهم معنى الآية هامة، فأثرها في تحديد سبب النزول أهم؛ لأن أسباب النزول قضايا وحوادث تعلق النزول بها، فلا بد أن يكون بينهما قدر من الاشتراك في الألفاظ والمعاني، وإلا فلا معنى لتسميتها أسباب نزول.
وقد تبيّنتُ أثر السياق منذ البداية، وكان محل عنايتي حتى النهاية، وأسندتُ الحكم إليه كثيرًا على الأسباب قبولًا وردًا، فكان صارمًا لا ينبو، وجوادًا لا يكبو، وفتح الله عليَّ بسبب إعماله خيرًا كثيرًا، وقادني إلى نتائج لم أرَ من أشار إليها أو نبّه عليها، فما أكثر المعضلات التي تصدى لها السياق