أما ابن حجر فمرةً قال: (والصواب أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد والله أعلم، ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بقتلهم (أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أي يخزيهم، ثم قال: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي فيسلموا (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أي إن ماتوا كفارًا) اهـ.
ومرةً جمع بينهما فقال: (وطريق الجمع بينه - أي حديث أنس - وبين حديث ابن عمر أنه ﷺ دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فنزلت الآية في الأمرين معًا، فيمًا وقع له من الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم وذلك كله في أحد) اهـ.
وعندي - والله أعلم - أن حديث أنس بن مالك ﵁ أسعد بنزول الآية لما يلي:
١ - أن العلماء - فيما أعلم - متفقون على أن الآية نزلت في قصة أحد، وهذا ما جاء نصًا في حديث أنس، بخلاف حديث ابن عمر الذي خلا من هذا.
٢ - أن السبب معلوم في قول النبي ﷺ: (كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيهم بالدم) لأنهم كسروا رباعيته، وشجوا وجهه، بينما السبب في لعنه لهؤلاء النفر غير معلوم، إذ يحتمل أن لعنهم كان في أحد ويحتمل أنه في غيرها، ولا يوجد ما يُعيّن ذلك.
وقول ابن حجر: (أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد) غير مسلَّم فأين الدليل على ذلك؟ ثم ما صلة هؤلاء النفر على وجه الخصوص بأحد؟ تعيينهم بالأسماء لم يثبت كما تقدم. ولو فرضنا جدلًا ثبوته لقلنا ألم يكن في المشركين من هو أنكى على المسلمين من هؤلاء النفر كخالد بن الوليد مثلًا فلماذا ترك الدعاء عليه إذا كان للدعاء علاقة بأحد؟
٣ - أن النبي ﷺ في لعنه لهؤلاء النفر لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يلعنهم بإذن اللَّه له، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعاتبه الله على ذلك بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) مع أنه قد أذن له فيه.