327

Kitāb al-Arbaʿīn al-Mughniyya bi-ʿuyūn funūnihā ʿan al-Maʿīn

كتاب الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين

1127- وقال المحققون: هذا النهي كان بالنسبة إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه دون غيره من الأمة؛ فإن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)). متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على سرد الصوم ولم ينهه عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم من حال حمزة أنه يقوى على ذلك، ومن حال عبد الله [بن عمرو] (أنه) يضعف عن ذلك، ولهذا كان عبد الله يقول في آخر عمره: ((يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ))، وذلك لما أسن وضعف، وهذا كما قيل مثله في الأحاديث المختلفة في أفضل الأعمال أنه بالنسبة إلى حال المخاطبين، كما تقدم.

1128- وعلى هذا فيكون قوله صلى الله عليه وسلم في صوم داود عليه السلام: ((لا أفضل من ذلك))، أي: بالنسبة إلى من حاله مثل حالك ممن يتعذر عليه الجمع بين سرد الصوم وبين القيام بالحقوق الدينية والدنيوية. ففي ((الصحيح)) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله: ((إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا))، وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك أيضا بقوله عن داود عليه السلام: ((ولا يفر إذا لاقى)) (أي): لم ينهكه هذا الصيام ولم يذهب قوته، بل كان عند لقاء العدو على حاله المعهودة، وقد نص أصحابنا على أن استحباب صوم الدهر مشروط بما إذا لم يلحقه ضرر ولم يفوت به حقا، فإن كان شيء من ذلك فهو مكروه.

1129- وقد ثبت سرد الصوم عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر وعائشة وأبو طلحة رضي الله عنهم.

1130- وقوله صلى الله عليه وسلم: ((صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله)) جار على قاعدة تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، كما صرح به في رواية البخاري، وهو محمول على أنه مثل صوم الدهر من غير تضعيف للحسنات؛ فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل الحسي الواقع في الخارج لا على الأمر الاعتيادي، فالمراد أصل الفعل في التقدير لا الفعل الذي يترتب عليه التضعيف.

Page 632