347

Kitāb al-Arbaʿīn al-Mughniyya bi-ʿuyūn funūnihā ʿan al-Maʿīn

كتاب الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين

1200- وثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقد حمله بعض العلماء على المقلوب، أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، كما في قولهم: عرضت الناقة على الحوض وأشباهه، وقال آخرون: لا حاجة إلى تكلف ذلك، لأن القرآن الذي هو كلام الله صفة قديمة بذاته لا يلحقه نقص ولا تزيين، وأما العبارة عنه التي هي فعل القارئ فإنه وإن كان غير محتاج إلى التزيين، ولكن في أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء وصحة الترسل بعثا للقلوب على استماعه وتدبره والإصغاء إليه، وعلى هذا حمل المحققون قوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))، وقوله صلى الله عليه وسلم لما سمع قراءة أبي موسى رضي الله عنه: ((لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود))، وقال له أبو موسى: لو علمت أنك كنت تسمع لحبرتها تحبيرا، وهذا كله في رفع الصوت وتحسينه بالقرآن. فأما قراءته بالألحان فقد كرهه مالك وطائفة من السلف والشافعي في موضع من كتبه، وقال في موضع آخر: لا أكرهه، فقال الأصحاب: ليست على قولين بل هي على اختلاف حالين، فحيث كره أراد إذا مطط وأخرج الكلام عن موضوعه بزيادة أو نقص، وحيث لم يكره أراد إذا لم يكن فيه شيء [من ذلك]، ولا شك أن من أباح ذلك فلا بد من هذا الشرط، وإلا فالكراهة ظاهرة، وربما أدت إلى التحريم كما صرح به جماعة من العلماء عند حصول التغير للحروف. وأما من كره القراءة بالألحان وإن لم يكن فيه تغيير كمالك ومن وافقه، فمأخذهم أن الألحان نوع من الباطل الذي هو لهو ولعب، فينبغي أن ينزه القرآن عنها.

1201- ورابعها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((من منح ورقا أو لبنا وهدى زقاقا)) أصل المنحة العطية مطلقا، لكن غلب على استعمال اللفظ في إعارة الشيء لينتفع بفوائده ثم يرد، كما قال صلى الله عليه وسلم ((المنحة مردودة))، فالمراد بمنحة الورق وهو الفضة: قرض الدراهم، وبمنحة اللبن ما جرت عادتهم به من إعطاء الناقة أو الشاة اللبون لغيره ينتفع بلبنها إلى أن يردها. والزقاق بالضم: الطريق، قال ابن الأثير: ((يريد من دل الضال أو الأعمى [على طريقه]، وقيل: أراد من تصدق بزقاق من النخل، وهي السكة منها))، قال: ((والأول أشبه؛ لأن هدى من الهداية لا من الهدية)).

1202- وقد تضمن الحديث فضل هذه الأشياء، وأنها تعادل عتق الرقاب في الثواب المرتب عليها، وكذلك قول: لا إله إلا الله كما في الحديث، وذلك من فضل الله وكرمه حيث رتب على الأشياء الخفيفة المؤنة من الثواب ما يتوصل به إليه من لم يقدر على عتق الرقاب، ولله الحمد والمنة.

Page 653