Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
والمبيح في الركبة، فيقدم المحرم، وروى الدارقطني مرفوعًا: «عورة الرجل ما تحت السرة إلى ركبتيه»، فإن فيه جعل الركبة غاية، وقد احتمل دخولها وعدمه، والاحتياط في الدخول، فتدخل، كذا في «شرح المنية».
وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها، كذا في «القدوري»، فإن وجهها وكفيها وقدميها ليس بعورة بالإجماع لا في حق الصلاة ولا في حق نظر الأجنبي، حتى إن الأجنبي يباح له النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها إذا كان بغير شهوة، وأما ذراع الحرة؛ فظاهر الرواية عن أئمتنا الأعلام: أنه عورة، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أن ذراعيها ليسا بعورة، فلو انكشف ذراعاها (^١) في الصلاة؛ لا تفسد، كما في «الاختيار»، وصحح بعضهم: أنه عورة في الصلاة لا خارجها، كما في «فتح القدير»، وقال في «المجتبى»: (الذراع لا يمنع الصلاة، لكن يكره كشفه؛ ككشف القدم)، كما في «القهستاني»، فأفاد أن القدم ليس بعورة، وهو الأصح، كما في «المحيط» و«الهداية»، وقيل: إنه عورة، وصححه الأقطع، وفي «الاختيار»: (الصحيح أن القدم ليس بعورة في الصلاة، وعورة خارجها)، وفي «الحلية»: (الصحيح أنه عورة مطلقًا)، فالأقوال ثلاثة مصححة، وقال القدوري: (وما كان عورة من الرجل؛ فهو عورة من الأمَة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها؛ فليس بعورة) انتهى.
ومثل الأمَة القنَّة، وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة، والمستسعاة عند الإمام الأعظم، وقال الصاحبان: المستسعاة حرة، والمراد بالمستسعاة: معتقة البعض، وأما المستسعاة المرهونة إذا أعتقها الراهن وهو معسر؛ فهي حرة اتفاقًا، كذا في «البحر الرائق»، وعورة الرقيق كعورة الحر، والخنثى المشكل الحر كالحرة، والرقيق كالأمَة، قال في «السراج»: الخنثى إذا كان رقيقًا؛ فعورته عورة الأمَة، وإن كان حرًّا؛ فعورته عورة المرأة الحرة، فإن ستر ما بين سرته وصلى؛ قال بعضهم: تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون امرأة، وقال بعضهم: لا تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون رجلًا، والإعادة أحوط، كذا في «النهر الفائق»، وفيه عن «السراج»: (الصغير جدًّا لا عورة له، ولا بأس بالنظر إليها ومسها؛ لأنَّه ﵇ كان يفعل ذلك في الحسن والحسين)، كذا في «الفتاوى»، ومثل الصغير الصغيرة، فيباح النظر والمس، كذا في «معراج الدراية»، والمراد بهما: ما لم يبلغا حد الشهوة، وتمامه في «منهل الطلاب».
وزعم ابن بطال أن من صلى مكشوف العورة؛ لا إعادة عليه إجماعًا، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: دعوى الإجماع غير صحيحة، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه، انتهى.
قلت: وقد نقل الشراح: أن الفخذ عورة في أصح أقوال مالك، وعليه فلا إجماع (^٢) في أهل مذهبه، ولا يخفى أن ما زعمه ابن بطال غير صحيح؛ لمنافاته الأحاديث الدالة على وجوب الستر في الصلاة؛ فليحفظ.
وقال في «التوضيح»: حاصل ما في عورة الرجل خمسة أوجه؛ أصحها وهو المنصوص: أنها ما بين السرة والركبة، وهما ليسا بعورة، وبه قال زفر ومالك، والأصح عند أحمد، ثانيها: أنَّهما عورة كما روي عن الإمام الأعظم، ثالثها: السرة ومن الركبة، رابعها: عكسه، خامسها: القبل والدبر، وهو قول الإصطخري، وهو شاذ، انتهى.
(وقال أنس) زاد الأصيلي: «ابن مالك»: هو الأنصاري، مما وصله المؤلف قريبًا في هذا الباب: (حَسَرَ)؛ بفتح حروفها المهملات؛ أي: كشف (النبيُّ) الأعظم ﷺ في غزوة خيبر الإزار (عن فخذه) فهو دليل على أنه ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وأحمد في رواية، والإصطخري من الشافعية، قال ابن حزم: العورة المفروض سترها عن الناظر في الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ من العورة، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط، والحر والعبد والحرة والأمَة فيه سواء بلا فرق؛ لحديث أنس الذي أخرجه البخاري: أنه ﵇ غزا خيبر، وفيه: ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذه ﵇، فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة، ولو كان عورة؛ لما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أَرَاها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا من قبل النبوة، انتهى.
والجواب عن هذا الحديث: أنه محمول على غير اختيار الرسول ﷺ فيه، وذلك بسبب ازدحام الناس حيث إنهم في غزوة، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه ﵇، وما ذاك إلا بسبب الازدحام (^٣)، فليس للنبيِّ الأعظم ﷺ فيه اختيار، وما زعمه ابن حزم من أنه: لو كان عورة؛ لما كشفها الله من رسوله... إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ ذلك غير منافٍ؛ لأنَّه إنَّما كان لأجل التشريع حتى يظهر أن الفخذ عورة، لا سيما وقد قال ﵇: «الفخذ عورة»، فيتعين أن يكون قوله ﵇: «الفخذ عورة» بعد حسر الإزار عن فخذه إن كان بغير حاجة، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، فحديث جرهد يكون ناسخًا لحديث أنس، وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق في حديث جرهد، فإنه أعطى حكمًا كليًّا، فكان أولى، وبيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل الخصوصية للنبيِّ الأعظم ﷺ بذلك، أو البقاء (^٤) على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة، انتهى.
يعني: فيكون منسوخًا كما قلناه، والدليل متى طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، لا يقال: الخصوصية لا بد لها من دليل والأصل عدمها؛ لأنَّا نقول: الظاهر أن ذلك خصوصية، والدليل عليه أن أنسًا رأى فخذه ﵇ دون غيره من الصحابة، فلو كان عامًّا؛ لكان جميع الصحابة رأوا فخذه ﵇، ولم يثبت ذلك عنهم، فالظاهر أنه خصوصية أو منسوخ؛ فافهم.
فإن قلت: روى الحافظ الطحاوي من حديث حفصة بنت عمر ﵄ قالت: كان رسول الله
(^١) في الأصل: (ذراعيها)، والمثبت هو الصواب.
(^٢) في الأصل: (إجماعًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٣) في الأصل: (الازدحال)، وهو تحريف.
(^٤) في الأصل: (التقاء)، وهو تصحيف.
ﷺ ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبيُّ الأعظم ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله؛ جاء أبو بكر، وعمر، وعلي، وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان؛ تجللت ثوبك، فقال: «أولا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟!»، قالت: وسمعت أبي وغيره يحدثون نحوًا من هذا، وأخرجه أحمد والطبراني أيضًا.
قلت: أجاب الحافظ الطحاوي عنه: بأنَّ هذا الحديث على هذا الوجه غريب؛ لأنَّ جماعة من أهل البيت روَوْه على غير هذا الوجه المذكور، وليس فيه ذكر كشف الفخذين، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة.
وقال أبو عمر: وحديث حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه، وقال الطبري: الأخبار التي رويت عن النبيِّ الأعظم ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه؛ واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين، ولا الأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والأخبار الواردة في النهي عن كشفها أخبار صحاح، انتهى.
يعني: تثبت بها الحجة، والنهي يفيد الحرمة، فثبت أن الفخذ عورة يجب ستره في الصلاة وخارجها.
وقال إمام الشَّارحين: وقول الحافظ الطحاوي: «لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه»: هو حديث عائشة وعثمان، فأخرجه مسلم: أن عائشة ﵂ وعثمان ﵁ قالا: إن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجته، ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال ﵇: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال؛ ألَّا يبلغ إلي في حاجته»، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلًا.
فإن قلت: قد روى مسلم أيضًا في «صحيحه»، وأبو يعلى في «مسنده»، والبيهقي في «سننه» هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين، ولفظ مسلم: أن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحالة، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوَّى ثيابه، فلما خرج؛ قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عثمان؛ جلست وسويت ثيابك؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!».
قلت: لما أخرجه البيهقي؛ قال: لا حجة فيه؛ لأنَّه مشكوك فيه، فإن الراوي قال: «فخذيه أو ساقيه»، فدل ذلك على أن ما قاله الحافظ الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، وقال أبو عمرو: هذا حديث مضطرب، انتهى.
(قال أبو عبد الله): هو المؤلف نفسه، كذا في رواية ابن عساكر فقط: (وحديث أنس)؛ أي: ابن مالك المذكور (أسند)؛ يعني: أقوى وأحسن سندًا من الحديث السابق (و) هو (حديث جرهد) وما معه، لكن العمل به (أحوط)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من حديث أنس، (حتى يُخرَج)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الراء، وفي رواية: (حتى يَخرُج)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء، كذا في «الفرع»، قال إمام الشَّارحين: وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع؛ بفتح النون، وضم الراء، وتبعه ابن حجر (من اختلافهم)؛ أي: العلماء؛ يعني: لما وقع الخلاف في الفخذ هل هو عورة أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد، وبما روي مثله في هذا الباب، وذهب آخرون: إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس كأنَّ قائلًا يقول: إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم واحد؛ أحدهما أصح من الآخر؛ فالعمل يكون بالأصح، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب المؤلف عن هذا بقوله: «وحديث أنس أسند...» إلى آخره، وتقريره: أن يقال: نعم؛ حديث أنس أسند من حديث جرهد، إلا أن العمل بحديث جرهد؛ لأنَّه أحوط في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى؛ للخروج من اختلاف العلماء، ولأجل هذه النكتة؛ لم يقل المؤلف: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: (باب ما يذكر في الفخذ)، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: إنَّما قال: (باب ما يذكر في الفخذ)؛ لأجل أن يكون جاريًا على القولين في أن الفخذ عورة أم لا؟ وقد صرح علماؤنا الأعلام: بأنه لا بأس بالعمل بالقول الضعيف.
وقال الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: من السرة إلى موضع نبات شعر العانة ليس من العورة؛ لتعامل العمال في ابتداء ذلك الموضع عند الائتزار، وفي ستره نوع حرج، وهذا القول ضعيف؛ لأنَّ التعامل بخلاف النص لا يعتبر، كما صرح به في «البحر» عن السراج، ومراده بتعامل العمال: عموم البلوى، فإن الناس الآن في زماننا في جميع البلدان لا يسعهم إلا هذا القول، فإنَّهم يدخلون الحمامات، ويئتزرون في المآزر، ويقعدون على الأجران لصب الماء، وحين يصبون الماء على أجسادهم؛ يسقط المئزر عن عورتهم من غير صنع على أفخاذهم، فتنكشف السرة وما تحتها وتبقى العانة مستورة، وكلما ستروا ما فوق العانة؛ يسقط المئزر بصب الماء، وهذا مما شوهد كثيرًا وعمت به البلوى، فينبغي العمل بهذا القول وإن كان ضعيفًا؛ لأنَّ العمل بالقول الضعيف أولى وأحسن من عدم العمل بالقول الصحيح، ولا سيما في خاصة نفسه، فإنه جائز كما صرحوا به، كذا في «منهل الطلاب»، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وقال أبو موسى): هو عبد الله بن قيس الأشعري، مما هو طرف من حديث ذكره المؤلف في (مناقب عثمان) ﵁، من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه، وفيه: (غطى)؛ بالغين المعجمة، والطاء المهملة؛ أي: ستر (النبيُّ) الأعظم ﷺ ركبتيه)؛ بالتثنية، وفي رواية: (ركبته)؛ بالإفراد (حين دخل عثمان) هو ابن عفان ﵁، وذلك أدبًا معه واستحياء، وقد بين النبيُّ الأعظم ﷺ معناه، كما في «مسلم» و«البيهقي» بقوله: «ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء؟!»، وقد كان ﵇ يصف
1 / 236