Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
Publisher
عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري
Publisher Location
https
مهملة مفتوحة، وكذلك الدال مهملة مفتوحة؛ أي: أوقع (في الصلاة شيء)؛ أي: من الوحي مما يوجب التغيير بزيادة أو نقصان؟ وأمَّا (حدُث) -بضم الدال-؛ فلا يستعمل في شيء من الكلام إلا في قولهم: أخذني ما قدُم وما حدُث؛ للازدواج.
(قال) ﵇ للسائل: (وما ذاك؟): سؤال من لم يشعر بما وقع منه، ولا يتبين عنده، ولا غلبة ظن، وهو خلاف ما عندهم؛ حيث (قالوا) أي: الصحابة: (صليت كذا وكذا)؛ بالتكرار؛ كناية عما وقع إمَّا زائدًا على المعهود أو ناقصًا عنه، وهذا يدل على أنَّ سلامه من الصلاة كان سهوًا، وهو غير مفسد للصلاة؛ ولهذا قال: (فثنَى)؛ بتخفيف النون، مشتق من الثني؛ يعني: عطف ﵇ (رجليه)؛ بالتثنية رواية الكشميهني والأصيلي، وفي رواية غيرهما: (رجله)؛ بالإفراد، والمقصود منه: فجلس كما هو هيئة القعود للتشهُّد، وليس المراد: أنه تحول عن جهة القبلة، بل ظاهره بل صريحه أنَّه بسط رجليه من غير تحويل عنها، وسمع كلامهم، ويحتمل أنه التفت بعنقه إليهم، ويحتمل أنه لم يلتفت، فالسلام للقطع لا يفسد الصلاة إذا كان ساهيًا، فيعود لسجود (^١) السهو، فيسجده ما لم يتحول عن القبلة أو يتكلم؛ لأنَّهما مبطلان للتحريمة، وقيل: لا يقطع بالتحويل ما لم يتكلم أو يخرج من المسجد، كذا في «الدرر» عن «النهاية»؛ فافهم.
(واستقبل القبلة)؛ أي: برجليه؛ لأنَّه قد بسطهما، وليس المراد: أنه كان متحولًا عن القبلة، بل المراد: أنه استقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة؛ لأنَّه كان باسطًا لهما؛ فافهم.
(وسجد سجدتين)؛ بالتثنية؛ أي: للسهو، ففيه دليل على أنَّ سجود السهو سجدتان، وهو قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين وعامة الفقهاء، وحكي عن الأوزاعي وابن أبي ليلى: أنه يلزمه لكل سهو سجدتان؛ لحديث في ذلك، وقال الحفاظ: إنه ضعيف لا يحتج به؛ فافهم.
(ثم سلَّم)؛ بتشديد اللام؛ أي: من صلاته، وهذا دليل قوي للإمام الأعظم وأصحابه ﵃ حيث ذهبوا إلى أن سجدتي السهو بعد السلام؛ لأنَّه ﵇ سلَّم، ثم سجد، ثم سلَّم، وهو قول الصديق الأصغر علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص ﵃، وهو قول سفيان الثوري، والحسن البصري، وابن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
وهذا الحديث حجة على الشافعي، وأحمد، ومالك؛ حيث ذهبوا إلى أن السجود للسهو قبل السلام، وفي «المغني» (^٢) الحنبلي: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين (^٣) اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام؛ وهما إذا سلَّم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، وقال مالك وأبو ثور: إن كان السهو لنقص؛ فقبل السلام، وإن كان لزيادة؛ فبعد السلام.
قلت: وكل هذا ليس فيه دليل من الحديث، وإنما هو قياس، ولا يعمل بالقياس عند وجود النص، فحديث الباب حجة لنا وعلى من خالفنا؛ فافهم، فمذهبنا هو الصواب، فلو سجد المنفرد للسهو قبل السلام؛ جاز، ولكنه مكروه، هذه رواية الأصول، وفي رواية غيرها: لا يجوز؛ لأنَّه قد أداه قبل وقته، وقيل: إن الخلاف في الأولوية، فلو اقتدى حنفي بمخالف في السنن، فسجد الإمام للسهو قبل السلام؛ قيل: يتابعه، وقيل: لا يتابعه، وعليه الإعادة بعد السلام، كذا في «التجنيس».
قلت: والظاهر الثاني؛ تحقيقًا للمخالفة؛ فافهم.
وفي الحديث: دليل على أن سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدد أسبابه، وهو مذهب الجمهور من الفقهاء؛ لأنَّه ﵇ تكلم بعد أن سها واكتفى فيه بسجدتين، وقال بعض العلماء: يتعدد السجود بتعدد السهو، وظاهر الحديث يرده، وهو دليل الجمهور؛ فافهم.
وفي الحديث: دليل على أن سجود السهو في آخر الصلاة؛ لأنَّه ﵇ لم يفعله إلا آخرها، وحكمته: أنه أخر؛ لاحتمال سهو آخر، فيكون جابرًا للكل، وفرع عليه الفقهاء: أنه لو سجد، ثم تبين أنه لم يكن في آخر الصلاة؛ لزمه إعادتها في آخرها، وفيه صورتان:
إحداهما (^٤): أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت وهو في السجود الآخر، فيلزمه إتمامه ظهرًا، ويعيد السجود.
والثانية: أن يكون مسافرًا، فيسجد للسهو، ويصل به إلى الوطن، أو ينوي الإقامة، فيتم، ثم يعيد السجود، كذا في «عمدة القاري».
وزعم الكرماني أنَّ قوله: (وسجد سجدتين) دليل على أنه لم ينقص شيئًا من الركعات، ولا من السجدات، وإلا لتداركها، فكيف صح أن يقول إبراهيم: (لا أدري؟) بل يعين أنه زاد، فإن النقصان لا يجبر بالسجدتين، بل لا بد من الإتيان بالمتروك؟
والجواب: أنَّ كل نقص لا يستلزم الإتيان به، بل كثيرًا منه ينجبر بمجرد السجدتين، ولفظ: (نقص) لا يوجب النقص في الركعة ونحوها، انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: قد ذكرنا فيما مضى عن الحميدي أنه قال: (بل زاد)، وكانت زيادته أنه صلى الظهر خمسًا، كما ذكره الطبراني، فحينئذٍ كان سجوده لتأخير السلام، ولزيادته من جنس الصلاة.
وقوله: (فإن النقصان...) إلخ: غير مسلم؛ لأنَّ النقصان إذا كان في الواجبات، أو في تأخيرها عن محلها، أو في تأخير ركن من الأركان؛ ينجبر بالسجدتين.
وقوله: (بل لا بد...) إلخ: إنَّما يجب إذا كان المتروك ركنًا، وأمَّا إذا كان من الواجبات، أو من السنن التي في قوة الواجب؛ فلا يلزمه الإتيان بمثله، وإنما ينجبر بالسجدتين) انتهى.
(فلما أقبل علينا بوجهه)؛ يعني: فلما فرغ من صلاته، واستقبال القبلة؛ انحرف، وتوجه إلى أصحابه بوجهه الشريف ﵇ (قال: إنَّه) أي: الشأن (لو حدث في الصلاة شيء)؛ أي: من الوحي مما يوجب التغيير بزيادة أو نقصان؛ (لنبأتكم) أي: لأخبرتكم (به)؛ أي: بالشيء الحادث أو بالحدوث الذي دل عليه قوله: (لو حدث)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٩]، ونبأتكم من باب (نبَّأ) -بتشديد الباء الموحدة-: وهو ما ينصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك (أنبأ) من باب (أفعل)، والثلاثي
(^١) في الأصل: (للسجود)، وليس بصحيح.
(^٢) في الأصل: (المفتي)، وهو تحريف.
(^٣) في الأصل: (موضعين).
(^٤) في الأصل: (أحدهما)، وليس بصحيح.
نبأ، والمصدر: النبأ؛ ومعناه: الخبر، تقول: نبأ وأنبأ ونبأ؛ أي: أخبر، ومنه أخذ: النبيء؛ لأنَّه أنبأ عن الله تعالى؛ أي: أخبر، واللام فيه لام الجواب، وتفيد التأكيد أيضًا.
فإن قلت: أين المفاعيل الثلاثة هنا؟
قلت: الأول: ضمير المخاطبين، والثاني: الجار والمجرور؛ أعني: لفظة (به)، والثالث: محذوف، أفاده إمام الشَّارحين، وزعم ابن حجر أنَّ اللام بعد (لو) لام جواب قسم مقدر.
قلت: وهو ليس بشيء؛ لتصريح النحاة بأنها لام الجواب، وتفيد التأكيد؛ فافهم.
قال الشَّارح: (وفيه دلالة على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة؛ لقوله ﵇: «لو حدث في الصلاة شيء؛ لنبأتكم به»)؛ فافهم.
(ولكن إنَّما أنا بشر مثلكم): لا نزاع أنَّ كلمة (إنما) للحصر، لكن تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة حصرًا مخصوصًا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، ومعنى الحصر في الحديث: أنه بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء، فإنَّ للرسول ﵇ أوصافًا أخر، قاله إمام الشَّارحين.
(أنسى كما تنسون)؛ والنسيان في اللغة: خلاف الذِّكر والحفظ، وفي الاصطلاح: النسيان: غفلة القلب عن الشيء، ويجيء النسيان بمعنى: الترك؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقوله: ﴿وَلَا (^١) تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، انتهى.
وأَنسى -بهمزة مفتوحة، وسين مهملة مخففة- قال الزركشي: (ومن قيده بضم أوله وتشديد ثالثه؛ لم يناسب التشبيه) انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ فإن ضم الأول هو المناسب؛ لحديث: «لا تقل: نسيت، وإنما قل: أُنسيت»؛ بضم الهمزة؛ لأنَّ النسيان منسوب إلى الشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَاّ الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وهنا غير مذكور، فتعين ضم الهمزة، وكونه لا يناسب التشبيه بعيد؛ لأنَّ (تنسون) مأخوذ من لفظ (أنسيت الأمر)؛ والمعنى: أنسى كما ينسى أحدكم، لكن بين اللفظين تغاير من حيث إنه أتى به بصيغة المتكلم وحده مع جمع المخاطبين؛ فافهم.
(فإذا نسيت) في الصلاة؛ (فذكروني)؛ أي: في الصلاة بالتسبيح ونحوه، ففيه جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء ﵈، واتفقوا على أنَّهم لا يقرون عليه، بل يعلمهم الله تعالى به، وقال الأكثرون: (شرطه تنبيهه ﵇ على الفور متصلًا بالحادثة)، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته.
والفرق بين النسيان والسهو: أن النسيان: غفلة القلب عن الشيء، والسهو: غفلة الشيء عن القلب، وعن هذا قال قوم: كان ﵇ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النسيان في حديث ذي اليدين بقوله: «لم أنسَ»؛ لأنَّ فيه غفلة، ولم يفعل.
وقال القشيري: (الفرق بينهما بعيد، كما في استعمال اللغة، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض).
وقال القرطبي: (لا نسلم الفرق، ولئن سلمنا؛ فقد أضاف ﵇ النسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: «أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني»).
وقال القاضي عياض: (إنما أنكر ﵇ «نسيت» المضاف إليه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نسي»، وقد قال أيضًا: «لا أنسى» على النفي، «ولكن لأُنسَّى»، وقد شك بعض الرواة في روايته، فقال: «أنسى أو أُنسَّى»، وأنَّ «أو» للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك في حديث ذي اليدين؛ أنكره، وقال: «كل ذلك لم يكن»، وفي الرواية الأخرى: «لم أنس ولم تقصر»، أمَّا القصر؛ فبيِّنٌ، وكذلك «لم أنس» حقيقة من قبل نفسي، ولكن الله أنساني)، وسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (وفي الحديث: جواز وقوع السهو من الأنبياء ﵈ في الأفعال).
وقال ابن دقيق العيد: (وهو قول عامة العلماء، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز السهو على الأنبياء ﵈، وهذا الحديث يرد عليهم)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هم منعوا السهو عليه في الأفعال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك: بأن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه؛ لم تحصل منه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناسي، وتقرير الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائيني).
وقال القاضي عياض: (واختلفوا في جواز السهو عليه ﷺ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع من أفعاله، وعاداته، وأذكار قلبه؛ فجوزه الجمهور، وأمَّا السهو في الأقوال البلاغية؛ فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على تعمده امتناع تعمده، وأمَّا السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة، وما يتعلق بها، ولا يضاف إلى وحي؛ فجوزه قوم؛ إذ لا مفسدة فيه).
قال القاضي: (والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدًا ولا سهوًا (^٢)، لا في صحة ولا في مرض، ولا في رضًى ولا في غضب، وأمَّا جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا؛ فغير ممتنع) انتهى، والله أعلم.
(وإذا شك أحدكم في صلاته)؛ الشك في اللغة: خلاف اليقين، وفي الاصطلاح: الشك ما يستوي فيه طرفا العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر؛ فهو الظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر؛ فهو أكبر الظن وغالب الرأي، فيكون الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان، انتهى.
(فليتحرى (^٣) الصواب): التحرِّي: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي رواية مسلم: (فلينظر أقرب ذلك إلى الصواب)، وفي رواية: (فليتحرَّى الذي يرى أنه صواب)، ويعلم من هذا أن التحرِّي: طلب أحد الأمرين وأولاهما بالصواب، قاله في «عمدة القاري».
(فليتم) بانيًا (عليه)؛ أي: على ما هو الصواب، ولولا تضمين الإتمام معنى البناء؛ لما جاز استعماله بكلمة الاستعلاء، وقصد الصواب في البناء على غالب الظن عند الإمام
(^١) في الأصل: (فلا)، والمثبت موافق للتلاوة.
(^٢) في الأصل: (لا عمد ولا سهو)، ولعل المثبت هو الصواب.
(^٣) كذا في الأصل وفي «اليونينية» بإثبات الياء.
1 / 267