273

Aṣl al-zarārī sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī - makhṭūṭ

أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط

Publisher

عطاءات العلم - موسوعة صحيح البخاري

Publisher Location

https

العلم.
(إلى الكعبة) بأن تحول الإمام عن مكانه، ثم تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء أيضًا حتى صرن خلف الرجال، فأتمَّ الإمام بهم الصلاة، ففي الحديث: دليل على جواز الاجتهاد في أمر القبلة، وأنَّ المصلي إذا صلى إلى جهة بالتحري، ثمَّ تبدل اجتهاده إلى جهة أخرى، فتحول إليها ثم وثم؛ فصلاته جائزة، ولو صلى الصلاة الرباعية إلى أربع جهات بالتحري؛ جائز.
فإن قلت: تحولهم مع الإمام فيه عمل كثير، وهو يفسد الصلاة، فكيف أتمَّ الإمام الصلاة بهم؟
قلت: اختلف في العمل الكثير، فروي عن الإمام الأعظم ﵁: أنَّه مفوض لرأي المصلي إن استكثره؛ فكثير، وإن استقله؛ فقليل، وروي عنه: أنَّ الحركات الثلاث كثير، وبها أخذ الأئمة المتأخرون، فيقال: إنَّ تحولهم لم يكن بثلاث خطوات، بل كان بخطوة أو خطوتين، ويحتمل أنَّ الخطوات لم تكن متوالية، بل وقعت متفرقة، وهو غير مفسد في الصلاة لتخلل المهلة بينها، ويحتمل أنَّ ذلك كان قبل تحريم المشي في الصلاة، والله أعلم.
وفي الحديث: جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأنَّه لا يضر صلاته، وفيه: دليل على أنَّ الخشوع في الصلاة مستحب، وفيه: دليل على جواز استماع المصلي كلام من ليس في الصلاة، وأنَّه لا يضر عليه صلاته، والحديث حجة على المتصوفة حيث زعموا أنَّ الخشوع في الصلاة واجب، وهو باطل؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لأمروا بإعادة الصلاة، فلما دلَّ الحديث على أنَّهم أتموا صلاتهم، ولم يعيدوها؛ تبين أنَّها جائزة وإن حصل فيها عدم الخشوع، وصريح الحديث يدل على عدم وجوب الخشوع في الصلاة، وهو الصواب؛ فافهم، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وأفعل التفضيل على بابه بإجماع المفسرين، فمن صلى بدون خشوع؛ فهو مفلح من أهل الفلاح، ومن صلى به؛ فهو أفلح، فدل على أنَّه مستحب لا واجب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وفي الحديث: أنَّ من لم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك؛ فالفرض غير لازم له، فحكم النسخ لا يثبت في حقه ما لم يبلغه.
وفي الحديث: جواز قبول خبر الواحد، فلو صلى بالتحري إلى جهة، فجاء رجل وأخبره أنَّ القبلة في جهة أخرى؛ أخذ بقوله، واستدار، وأتمَّ، وهكذا، وكذا لو أخبره أنَّ هذه الذبيحة ذبيحة مسلم؛ فهي طاهرة، أو ذبيحة مجوسي؛ فهي نجسة، ولو أخبره رجلان أحدهما: بأنَّها ذبيحة مسلم، والآخر: أنها ذبيحة مجوسي؛ فلا يأخذ بقولهما؛ لتهاتر الخبرين، وتبقى الذبيحة على الأصل، وهو الحرمة؛ لأنَّه لا تحل إلا بالذكاة الشرعية، ولو أخبره رجلان عن ماء وتهاترا في الطهارة والنجاسة؛ لا يأخذ بقولهما، ويبقى الماء على الأصل، وهو الطهارة الأصلية؛ فافهم.
وفي الحديث: أنَّ الذي يؤمر به النبيُّ الأعظم ﷺ يلزم أمته.
قلت: وذلك لعدم قيام الدليل على أنَّه خاصٌّ به، ولأمره ﵇ أصحابه باتباعه، فهو دليل اللزوم على العموم.
وفي الحديث: أنَّ أفعاله وأقواله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب، ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن، ولكنَّ القول يقدم على الفعل عند المحققين، ويستمر الحكم حتى يقوم الدليل على الخصوصية، كما لا يخفى.
قال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول، وهو قوله: (وقد أمر أن يستقبل الكعبة)، ومن الجزء الثاني أيضًا، وذلك لأنَّهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه، والجاهل كالناسي؛ حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم، انتهى.
وفي الحديث: أنَّه أنزل عليه قرآن، ولم يبينه، وقد بينه إمام الشَّارحين، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ...﴾؛ الآيات [البقرة: ١٤٤]، واختلفوا في المراد من المسجد الحرام، فحكى البغوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك، وقال جماعة: (القبلة: هي الكعبة، والدليل عليه ما خرِّج في «الصحيحين» عن عطاء، عن ابن عبَّاس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبيُّ ﷺ البيت؛ دعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج منه، فلما خرج؛ ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هذه القبلة»)، ورووا أخبارًا كثيرة؛ كلها تدل على أنَّ القبلة هي الكعبة، وقال آخرون: (المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله؛ لأنَّ الكلام يجب أن يحمل على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع)، وقال جماعة آخرون: المراد من المسجد
الحرام: الحرم كله، والدليل عليه قوله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وهو ﷺ إنَّما أسري به من خارج المسجد، فدل هذا على أنَّ الحرم كله يسمى بالمسجد الحرام، كذا قاله الإمام الرازي.
قلت: وهذا الدليل منقوض؛ لأنَّه ﵇ أسري به ليلًا من بيته، وكان ﵇ قد صلى في المسجد قبل ذلك، فأطلق الإسراء من المسجد؛ لكونه يُصلى فيه ويتعبد به، على أنَّ حجره ﵇ أبوابها في حائط المسجد، وإسراؤه كان من حجرة عائشة باتفاق المحدثين، فليس فيه دليل على أنَّ الحرم كله يسمى مسجدًا حرامًا؛ فافهم.
ثم ذكر أنَّ فرض من يريد الصلاة عند الشافعي أن يستقبل عين الكعبة، والجهة غير كافية، ونقل عن صاحب «التهذيب»: أنَّ الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو امتد الصف في المسجد بحيث ازداد طوله على عرض البيت؛ فإنَّه لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة، ومذهب الإمام الأعظم أنَّه يصح؛ لأنَّ إصابة الجهة عنده كافية في صحة الصلاة، واستدل الشافعي: بأنَّ كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، وقد أوجب الله على كافة المكلفين استقبال القبلة، والمكلف لا يخرج عن عهدة ما كُلف به بالشك.
واحتج الإمام الأعظم ﵁ بأمور من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:
أمَّا الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى...﴾؛ الآيات، فظاهرها، بل صريحها يدل على أنَّ إصابة الجهة كافية؛ حيث قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ يعني: جهته وجانبه، ولأنَّه تعالى أوجب على المكلف أن يولِّي (^١) وجهه إلى جانبه، ومن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه، فقد أتى بما أُمر به، سواء كان مستقبلًا للكعبة أو لا، فوجب أن يخرج عن العهدة بإصابة جهة الكعبة، وليس هذا أمر مشكوك؛ لأنَّ الله تعالى أوجب تولي الوجه؛ يعني: البدن كله إلى جهة الكعبة، فهو أمر متيقن، فوجب العمل به.
وأما السُّنة؛ ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ أنَّه ﵇ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، فلو كان الفرض إصابة عين الكعبة؛ لما كان ما بينهما قبلة، وذكر الفقهاء: أنَّ استقبال القبلة واستدبارها لغائط أو بول مكروهان، سواء كان في البنيان أو الصحراء؛ لما في «الصحيحين» أنَّه ﵇ قال: «إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، فإن هذا الحديث أيضًا يدل على أنَّ من لم يشرق أو يغرب في الخلاء؛ فهو مستقبل للقبلة أو مستدبرها، وهو يستلزم أن يكون ما بينهما قبلة، كما لا يخفى.
وأمَّا الإجماع؛ فإنَّ الناس من عهد النبيِّ الأعظم ﷺ؛ بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندسًا عند تعيين جهة القبلة فيها مع أنَّ إصابة عين الكعبة لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة، وحيث اجتمعت الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على صحة ما وقع فيها من الصلوات؛ علمنا أنَّ محاذاة عين الكعبة ليست بشرط، وأيضًا لو كان استقبال عين الكعبة واجبًا؛ لكان تعلم الدلائل الهندسية واجبًا على كل أحد؛ لأنَّ استقبال العين لا سبيل إليه إلا بتلك الدلائل، ولما كان تعلمها غير واجب؛ علمنا أنَّ استقبال العين غير واجب.
وأما المعقول؛ فإن الدائرة وإن كانت عظيمة يكون جميع القطع المفروضة محاذية لمركز الدائرة، والصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة محيطة بالكعبة، والكعبة كأنَّها نقطة لتلك الدائرة إلا أنَّ الدائرة إذا صغرت؛ ظهر التقوس والانحناء في كل واحدة من القطع المفروضة فيها، بل يرى كل قطعة منها شبيهة بالخط المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف مستطيل ممتد إلى جانبي المشرق والمغرب يزيد طوله على أضعاف مقدار البيت؛ لكون كل واحد مما فيه متوجهًا إلى عين الكعبة، فأمَّا النقطة المفروضة فيها؛ فإنَّما تكون محاذية لمركزها إذا كان الخط الخارج من كل واحدة منها واقعًا على المركز محاذيًا لها، ومجرد كونها من أجزاء الدائرة لا يستلزم ذلك، وهو ظاهر في أنَّ استقبال العين ليس بواجب، وإنما الواجب هو استقبال السمت والجهة، ومعنى استقبال السمت: أنا لو فرضنا خطًّا مستقيمًا من نقطة من النقط المفروضة في دائرة الأفق مارًّا على الكعبة واصلًا إلى النقطة المقابلة على الاستقامة؛ لكان الخط الخارج من جبين المصلي إلى ذلك الخط المار بالكعبة على استقامة من غير أن تكون إحدى الزاويتين الحادتين في الملتقى حادة والأخرى منفرجة، بل يحصل هناك قائمان، أو نقول: هو أن تقع الكعبة فيما بين خطين يلتقيان في الدماغ ليخرجا إلى العينين؛ كما في المثلث.
وذكر صاحب «الذخيرة» و«الكافي» و«النهاية»: (أنَّ من كان بمكة؛ ففرضه إصابة عينها إجماعًا حتى لو صلى مكيٌّ في بيته؛ ينبغي أن يصلي بحيث لو أزيلت الجدران؛ يقع الاستقبال على عين الكعبة، بخلاف الآفاقي فإنَّ فرضه إصابة جهتها لا عينها في الصحيح)، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي، والشيخ أبي بكر الرازي؛ لأنَّه ليس في وسع المصلي سوى هذا، والتكليف بحسب الوسع، واحترز بـ (الصحيح) عن قول أبي عبد الله الجرجاني، فإنَّه قال: (من كان غائبًا عن الكعبة؛ ففرضه إصابة عينها؛ لأنَّه لا فضل في النص)، وهو قول الشافعي.
وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة، فعلى قول الجرجاني والشافعي؛ يشترط، وعلى

(^١) في الأصل: (يول)، وليس بصحيح.

1 / 273