الموقظة -على سبيل الحِدَّة في المَوْجدَه والموعظة- وهذا قد يدخلُ منه شيءٌ في الجواب، لأنه لا أحد بأحقر من أن يقول لغيره: اتق الله، ولا أحد بأكبر من أن يقال له: اتَّقِ الله.
واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطًا أربعة:
شرطين في الإباحة، وهما: أن لا يكون المزجور مُحِقًَّا في قوله أو فعله، وأن لا يكون الزاجرُ كاذبًا في قولهِ، فلا يقول لِمن ارتكب مكروهًا: يا عاصي، ولا لِمَن ارتكب ذنبًا لا يعلم كِبْرَهُ (١): لا فاسق، ولا لصاحب الفسق -مِنَ المسلمين-: يا كافر. ونحو ذلك.
وشرطين في النَّدب، وهما: أن يظنَّ المتكلمُ أنَّ الشدَّة أقربُ إلى قبولِ الخَصْمِ للحقِّ، أو إلى وضوحِ الدليلِ عليه، وأن يفعلَ ذلك بنيَّةٍ صحيحةٍ، ولا يفْعَلُهُ لمجردِ داعيةِ الطبيعة.
فإن قلتَ: فكيف تكونُ الشِّدةُ أَقربَ إلى القبول؟ قلت: قد يكونُ كذلك -في بعض المواضع- مثل أن يقع مع الصالح الخاشع المتواضع، وذلك قليل.
إذا عرفَت هذا، فاعلم أنه لَمَّا كان الكلام في المراسلات لا يكاد يخلو مِنْ هذه المسالك الأربعة، أحببتُ التعريف بها، خوفًا مِمَنْ لا يعرف هذا الشأن، وممَّن لم يتدرَّبْ في هذا الميدان يحْسِبُ أنِّي حين أذكر الطريقة الخطابية، والأمثال الوعظية، قد اكتفيتُ بها عن إيرادِ الأدلةِ
(١) كبر الشيء بكسر الكاف: معظمه، ومنه قول قيس بن الخطيم:
تنامُ عَنْ كِبْرِ شأنها فإذا ... قامت رويدًا تكاد تنغرِفُ
وفي كتاب الله ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال ثعلب: يعني معظم الإفك.