وهذا مع صحة إسناده؛ صحيح المعنى، فإنه ليس يجوزُ على النبي ﷺ أن يُسِرَّ شيئًا من أمرِ الشريعة، فإنه بُعِثَ مبينًا للناس، وإنما كان يسرُّ إليه شيئًا من الملاحم والفِتن، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلالِ والحرامِ، وشرائع الإسلام، فقد أوضحَ أميرُ المؤمنين ﵇ في كلامه هذا: أن فَضْلَهُ في ذلك على القرابة والصحابة ومَنْ عدا الأنبياء والمرسلين من الناس أجمعين، إنما كان بالفهمِ الذي آتاه الله. وأما القرآن الذي كان معه ﵇ والأخبارُ النبوية، فإنه يُمْكِنُ غيْرُهُ معرفةَ ذلك، ولكن ما
= قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا يُعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: " العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ".
قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ١/ ٢٠٤: وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك، لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت -لا سيما عليًا- أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عُبَادَ والأشتر النخعي، وحديثهما في مسند النسائي.
وروى البخاري (١٨٧٠) و(٣١٧٢) و(٣١٧٩) و(٦٧٥٥) و(٧٣٠٠) من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي ﵁ على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: " المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وإذا فيها: من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا ".
وأخرج أحمد ١/ ١١٨ و١٥٢، ومسلم (١٩٧٨) في الأضاحي من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: سئل علي: أخصكم رسول الله ﷺ بشيء؟، فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعم الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من غير منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا " وأخرج عبد الله بن أحمد ١/ ١٥١ بإسناد صحيح بل هو من أصح الأسانيد عن الحارث بن سويد، قال: قيل لعلي: إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة؟ قال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يخص به الناس إلا بشيء في قراب سيفي ...