قالوا: بشرتنا فأعطنا في هذا دليل إسلامهم حيث بشرهم الرسول ﷺ، لكنهم طلبوا العاجل من أمر الدنيا على التفقه في الدين وطلب الآخرة، فتغير وجه رسول الله ﷺ، وذكر الحافظ ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) ﵀ في الفتح سبب غضب الرسول ﷺ بقوله: (سبب غضبه ﷺ استشعاره بقلة علمهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الذي يحصل لهم ثواب الآخرة الباقية) (١) ولذلك كان هذا الإقبال على الدنيا بمنزلة عدم قبول البشرى حيث قال ﵊ بعد ذلك: إذ لم يقبلها بنو تميم.
ويؤخذ من هذا أنه يجب قبول ما جاء عن الله ﷿ أو عن رسول الله ﷺ، بدون توقف أو استفسار أو طلب للعلة، بيان ذلك من الحديث أن قول بني تميم: قد بشرتنا فأعطنا لا يدل ظاهره على أنهم لم يقبلوها، ومع ذلك جعل طلبهم للعاجل بمنزلة عدم قبول البشرى (٢) .
قولهم: نسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ المراد بالأمر هنا: الشيء المشاهد الموجود وهو خلق السماوات والأرض وما بينهما على الصحيح، فالسؤال عن بدء الخلق المشاهد المعهود بـ (أل) العهدية (الأمر) .
والأمر يطلق ويراد به المأمور المفعول، ويراد به المصدر والشأن والحكم، والمراد بالأمر في هذا الحديث المعنى الأول (٣) .
قوله: كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية (غيره) وفي رواية (معه):
الحديث روي بهذه الألفاظ الثلاثة فلفظ قبله ولفظ غيره وردا في البخاري، وأما لفظة (معه) فقد بين شيخ الإسلام أن هذه اللفظة ثابتة في
(١) فتح الباري ١٣/٤٠٩.
(٢) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٧٦ - ٣٧٧.
(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٦/٢٨٨ - ٢٨٩، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٥.