والنفاة يزعمون أن الفعل ممتنع في الأزل، والأزل ليس شيئًا محدودًا يقف عنده العقل، بل ما من غاية ينتهي إليها تقدير الفعل إلا والأزل قبل ذلك بلا غاية محدودة.
ويضرب ابن تيمية ﵀ مثلًا لذلك بأنه لو فرض وجود مدائن أضعاف مدائن الأرض، في كل مدينة من الخردل ما يملؤها، وقدر أنه كلما مضت ألف ألف سنة فنيت خردلة: فني الخردل كله، والأزل لم ينته (١) .
فما من وقت يقدر إلا والأزل قبل ذلك؛ لأن الأزل يعني عدم الأولية، فهو ليس شيئًا محدودًا (٢) .
وما من وقت صدر فيه الفعل بالنسبة إلى الله ﷿ إلا وقد كان قبل ذلك ممكنًا وإذا كان ممكنًا فما الموجب لتخصيص حال الفعل بالخلق دون ما قبل ذلك فيما لا يتناهى؟ (٣) .
وبهذا يتضح أن المراد في حديث عمران (ت - ٥٢هـ) ﵁ هو الإخبار عن حدوث العالم المشهود الموجود؛ ولذا فإن أهل السنة يجعلون هذا الحديث من أدلتهم على حدوث العالم، ولهم أدلة أخرى نقلية، وعقلية متعددة:
أما الأدلة النقلية فمنها:
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] .
وقال - سبحانه -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١١، ١٢] .
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٨، وانظر: مثالًا قريبًا منه في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للغنيمان ١/٣٨٤.
(٢) انظر: الصفدية لابن تيمية ١/٧١، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢٣٩.
(٣) انظر: هذه الردود بتفصيل في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/٢١٣ - ٢٤٣.