عليها، وهو الرائد والقائد والحاكم بأن هذه مصلحة أو مفسدة - فإذا اختار العلمانية .. فقد حكم بحكم الشرع .. لأن الشريعة أمرت بإتباع المصالح، والقوانين الوضعية التي هي بعض ثمار العلمانية اللادينية مصلحة بزعمهم، وقد أدى هذا المذهب إلى إبطال أكثر أحكام الشريعة الإِسلامية .. واتسع الخرق على الراقع عندما حاول بعض الكتاب أن يوفق بين أحكام العلمانية وأحكام الشريعة فاضطرهم ذلك إلى إقحام العقل واسطة .. للبلوغ إلى مقصودهم فكان أن اتسع باب التأويل العقلي حتى جعل بعض الباحثين حكم الربا وحكم الردة وحكم الولاء والمناصرة وحكم الجهاد .. وكثير من أمثال ذلك يستوي فيها حكم الشريعة الإِسلامية والعلمانية "اللادينية". ومن أراد أن يتصور ثباتًا لهذه الشريعة وأنها حاكمة على الإطلاق والعموم فلا بد أن يدرك طبيعة العقل وقدرته وما هو الحد الذي حده له الشرع، وما هي وظيفته التي حددها له .. وحينئذ يؤمن إيمانًا حقيقيًا بحاكمية هذه الشريعة على الإِطلاق والعموم على البشرية كلها وعلى جميع ما تمتلكه من مورثات العقل - سواء ما ورثته من العصور السابقة أو من العقول اللاحقة - تحكم بصحة ما تراه صحيحًا من نتاج العقل البشري، وتحكم ببطلان ما تراه باطلًا .. هذا هو الإِسلام الذي جاءت به الرسل جميعًا عليهم الصلاة والسلام، ولأجل تجلية هذه العقيدة لا بد من زيادة البيان لموقف الإِسلام من نتاج العقل البشري - كما وضح ذلك فقهاء أهل السنّة والجماعة - ونتيجة ذلك هو العلم اليقيني بثبات أحكام الشريعة الإِسلامية، وأنه ليس "للعقل" مطلقًا أن يقدم بين يديها لا بالنسخ ولا التغيير ولا التبديل، بل هو محكوم بحكمها خاضع لسلطانها.
ونثبت ذلك -هنا- بعدة أدلة - مبينين أن من لم يدرك ذلك وقع لا محالة في تيار البدع الذي لم ينقطع (١) ولا يخرجه منه إلا أن ينسلخ من آثار
(١) البدع عند فقهاء أهل السنّة تنقسم إلى ما هي كفر مخرج وإلى ما ليس بكفر مخرج وإلى ما هو مختلف فيه هل هو كفر مخرج أم لا، الاعتصام ٢/ ٣٧.
وباعتبار هذه القسمة قلت أن تيار البدع لم ينقطع وذلك بأقسامه الثلاثة، ومن هنا تتضح خطورة البدع لا على أنها خلاف في بعض المسائل العقائدية -كما هو شأن الفرق- =