316

Durūs lil-shaykh ʿAlī b. ʿUmar Bā Ḥadḥad

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

حال النبي ﷺ في العشر الأواخر
الواقع الذي نسترشد منه والهدي الذي نقتدي به هو هدي رسولنا ﷺ، وهذه العشر كانت لها مزية خاصة عند رسول الله ﷺ، كما روت عائشة في الحديث المشهور قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله، وأحيا ليله، وشد المئزر) وهذه الثلاث لا أود أن أطيل في شرحها، لكن كل واحدة منها له جانب فيه دلالة من الدلائل.
فقولها: (أيقظ أهله) فيه إشارة إلى أن الواجب المنوط بكل واحد منا لا يتعلق به وحده، ولا يقتصر عليه وحده، بل يشمل الدائرة الأوسع، وأقربها وأولاها الأهل، فقد ورد عند أبي داود في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (رحم الله امرأ قام من الليل فأيقظ أهله، فإن لم تستيقظ نضحها بالماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحته بالماء) وذلك دليل على أن الذي يجمع بين الزوجين والذي يجمع بين الأهل إنما هو التواصي بطاعة الله ﷿ والحرص عليها، وهذه مسألة مهمة، وكثيرًا ما نرى الرجال يملئون المساجد بالصلوات والاعتكاف، ونرى في الوقت نفسه أبناءهم يملئون الأسواق باللهو والعبث، فأين هم من أبنائهم؟! أو نرى زوجاتهم يملأن الأسواق في أمور لا تحمد، أو في أمور هي دون المطلوب، فأين أزواجهن عنهن؟! وذلك هو ما يشير إليه هذا الحديث التي عبرت فيه عائشة ﵂ عن فعل النبي ﷺ.
وقولها: (وأحيا ليله) قال العلماء: إن الرسول ﵊ كان يحيي ليله منذ بعثته، ومنذ أن نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] والنبي ﵊ عندما أخذ بهذه السنة فهي في حقه فريضة لن يتركها، وكان لا يترك ﵊ قيام الليل في سفر أو حضر، إلا ما ثبتت به السنة، كليلة مزدلفة وغير ذلك، فما معنى قولها: (أحيا ليله)؟ كان النبي ﷺ في رمضان يحيي ليله فصلى بصلاته أناس، وهكذا في الليلة الثانية وفي الليلة الثالثة، ثم لم يخرج إليهم في الليلة الرابعة، وصلى وحده لئلا تفرض عليهم، قال أهل العلم في بيان ذلك -كما أشارت إلى ذلك بعض الروايات-: إنه ﷺ كان في رمضان وسائر الأيام يخلط ليله قيامًا بنوم، فيصلي وينام، لكن في هذه العشر كان لا ينام الليل مطلقًا، وهذه هي المزية، أي أنه كان يحيي الليل كله، وسنته ﵊ في غير هذه العشر أنه كان ينام ويستيقظ، كما قال ﵊: (من رغب عن سنتي فليس مني) وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، ثم ينام سدسه في آخر الليل قبل الفجر لينشط ﵊ لصلاة الفجر.
وقولها: (وشد المأزر) شد المأزر هنا كناية تشتمل على أمرين، وذكر العلماء أن أحد هذين الأمرين هو اعتزال النساء اعتزالًا كاملًا، مع أنه في ليل رمضان يجوز مباشرة النساء، كما قال الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] لكن النبي ﷺ حين اعتكف في المسجد وتفرغ للطاعة والعبادة اعتزل النساء، ومن مبطلات الاعتكاف ومفسداته معاشرة الأزواج، بل حتى ما دون المعاشرة.
ومن جهة أخرى يقال في كلام العرب: شمر عن ساعد الجد أو شمر عن المئزر.
إذا جد واجتهد وبلغ الغاية القصوى في البذل والعمل، وهذا مقصود أيضًا في هذا الباب من أبواب الخير التي ندبنا إليها بفعله رسول الله ﵊.

20 / 6