Durūs lil-shaykh ʿAlī b. ʿUmar Bā Ḥadḥad
دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح
•
Regions
•Saudi Arabia
مظاهر الإيمان في الحج
إن أعظم مشاعر الإيمان في التذلل والاستعانة والاستغاثة بالله ﷿ تحيا وتقوى وتعظم وتظهر وتتجلى في القلب في مواقف الحج العظيمة كلها، والتوحيد والإخلاص يتكرر، فعندما ترقى الصفا أو ترقى المروة يأتيك حديث النبي ﷺ عندما كان يكبر متوجهًا نحو البيت ويقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) يجلي هذا المعنى، ويرفع به صوته، ويكرره في ذكره.
وجاء من حديث عائشة ﵂ في يوم عرفات أن النبي ﷺ قال: (خير ما قلت أنا والنبيين من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).
وورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده قال: (كان أكثر دعاء النبي ﷺ في يوم عرفة: لا إله إلا الله)، إنه التوحيد والإخلاص والإيمان قولًا وحالًا وعملًا، ومظهرًا فرديًا، وصورة جماعية على مستوى الأمة، وذلك ما نراه ونشهده ونتذكره ونعتبر به من هذه الفريضة.
ومن دلائل الإيمان تعظيم الله ﷿، وتعظيم قدره، وتعظيم ما له ﷾ من الأسماء الحسنى والصفات العلى.
ومن أعظم صور التعظيم الإيماني ما في هذه الفريضة العظيمة، ألست ترى التعظيم في هذا القصد والتوجه؟ فأنت تتوجه إلى مكان، ثم إذا بك محرمًا لا تأتي محظورات الإحرام -وإن كانت مباحة قبل إحرامك- تعظيمًا لهذه الفريضة، وتعظيمًا لله جل وعلا، ثم أنت على صورة من مراعاة الأدب ومراعاة الحرمة في بيت الله ﷿ وفي الأماكن المقدسة، إنه تعظيم وأي تعظيم! حيث تعظم به الله ﷿ الذي أمرك بهذا التعظيم، كما في قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ذلك التعظيم الذي نعظم فيه الله ﷿ في هذه الفريضة هو من أجلى وأعظم مواقف الإيمان، فأنت تعظمه وتستشعر عظمته حين ترى الخلائق والحجاج مجتمعين على صعيد عرفات كلهم بألسنة مختلفة، وبمطالب متعددة، يسألون الله ﷿، فتستحضر الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر ﵁ عن الرسول ﵊ عن رب العزة والجلال، وفيه: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على صعيد واحد فسألني كل وحد مسألته فأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في اليم)، فأعظم بكرم الله ﷿ وجوده! وأعظم بأسمائه وصفاته ﷾! إنها عظمة متناهية تحيا في القلب وأنت تعيش في تلك الأماكن المقدسة، وفي تلك البقاع المطهرة، وفي تلك المناسك المعظمة التي أمر الله ﷾ بتعظيمها، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
إن الذي ينقض الحرمة معرض لعذاب الله ﷿؛ لأنه يفسد حقيقةً إيمانية من مقاصد هذه العبادة العظيمة، وهي تعظيم الله ﷿ بتعظيم ما أمر بتعظيمه.
27 / 4