ونقرأ ملحوظات عن "مدى عناية الأمم القديمة بالعلوم عند صاعد الأندلسي (ت (٤٦٢) هـ) في كتابه (طبقات الأمم)، فقد ذكر عناية بعض الشعوب بالعلم، وهم: الهنود، والفرس، والكلدان، واليونان، والروم، وأهل مصر، والعرب، وبنو إسرائيل" (١).
وكان اهتمام هذه الشعوب ينصب على التاريخ، والأدب، والفلسفة، والطب، والفلك، والإسرائيليات (تاريخ الأنبياء). ومن الواضح أن أيًا من هذه العلوم المدونة باللغات الأجنبية لم يترك أثرًا على الثقافة والتعليم في عصر السيرة والراشدين ماعدا الإسرائيليات التي اطلع عليها- بحذر شديد- أفراد معدودون من الصحابة.
ولكن- للأسف- لم يحفظ لنا التاريخ ما يكفي لتصوير واقع التعليم في المنطقة الواسعة التي حكمها الإسلام في عصر السيرة والراشدين، والتي يتنوع سكانها مابين عرب وفرس وسريان وكرد وأرمن وقبط، وتتنوع معهم ثقافاتهم وأديانهم وعقائدهم التي حاولت التشبث بالبقاء طويلًا مستغلة ظروف الحرية الدينية التي أتاحها الإسلام. ومن ثم فنحن لا نعرف على وجه التحديد طبيعة المؤسسات التعليمية في المناطق المفتوحة، وعلاقتها بالدولة والمجتمع، ولا نعرف إلى أي مدى كان التعليم منتشرًا وما موازين الثقافة آنذاك، ولا نعرف شيئًا عن أعداد المتعلمين ومستوياتهم، ومستوى المعلمين وطبيعة المعلومات التي يقدمونها للطلبة، ولا علاقة مراكز الثقافة ومؤسسات التعليم ببعضها داخل الدولة الواحدة، وصلاتها مع مثيلاتها في الدول الأخرى. ثم ما مآل ذلك كله بعد الفتح الإسلامي؟.
إن التاريخ لا يرد على تساؤلنا، ولعله لن يفعل ذلك إلى الأبد، إلا أن نقف على مصادر جديدة لمعرفتنا يكتنزها باطن الأرض، أو تختفي بين أكداس الكتب الكثيرة
(١) صالح أحمد العلي: تاريخ العلماء وفهارس المصنفات في المصادر العربية (مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الرابع والثلاثون ١: ٦ - ٧).