221

Al-tabshīr waʾl-istiʿmār fī al-bilād al-ʿarabiyya: ʿarḍ li-juhūd al-mubashshirīn allatī tarmī ilā ikhdāʿ al-sharq li-l-istiʿmār al-gharbī

التبشير والاستعمار في البلاد العربية عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى اخضاع الشرق للاستعمار الغربي

Publisher

المكتبة العصرية-صيدا

Edition

الخامسة

Publication Year

١٩٧٣

Publisher Location

بيروت

المسلمين حقهم لا يستطيع أن يفعل ذلك في كل مكان، وخصوصًا في الساعات التي يكون فيها ضميره العلمي مستيقظًا، قال الدكتور (حتي) (١):
«كَانَ أَعْظَمُ فَلاَسِفَةِ الإِسْلاَمِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَثَرِ الذِي أَحْدَثَهُ فِي الغَرْبِ عَلَى الأَخَصِّ، الفَلَكِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ وَالطَّبِيبُ وَشَارِحُ كُتُبِ أَرِسْطُو، أَبُو الوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ. وَإِنَّ أَعَظْمَ مَا لاِبْنِ رُشْدٍ فِي الطِّبِّ كِتَابَهُ الجَامِعُ المَعْرُوفُ بِاسْمَ " الكُلِّيَّاتِ "، وَفِيهِ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يُصَابُ بِالجُدَرِيِّ مَرَّتَيْنِ. كَمَا أَنَّ عَمَلَ شَبَكَةِ العَيْنِ فِيهِ مَشْرُوحٌ بِوُضُوحٍ. عَلَى أَنَّ نُورَ اِبْنِ رُشْدٍ الطَّبِيبَ قَدْ كُسِفَ بِنُورِ اِبْنِ رُشْدٍ الفَيْلَسُوفِ الشَّارِحِ ... أَمَّا بَيْنَ اليَهُودِ وَفِي العَالَمَ المَسِيحِيِّ فَقَدْ عُرِفَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى شَارِحٌ لِكُتُبِ أَرِسْطُو. وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ أَنَّ المَقْصُودَ بِالشَّارِحِ فِي العُصُورِ الوُسْطَى هُوَ المُؤَلِّفُ الذِي كَانَ يَسْتَعِينُ بِبَعْضِ كُتُبِ الأَوَّلِينَ العِلْمِيَّةِ أَوْ الفَلْسَفِيَّةِ لِيَجْعَلَ مِنْهَا أَسَاسًا أَوْ إطارًا لِكُتُبِهِ هُوَ ... وَلَقَدْ أَثَارَ ابْنُ رُشْدٍ بِشُرُوحِهُ عَلَى أَرِسْطُو عُقُولَ فُقَهَاءِ النَّصْرَانِيَّةِ وَعُلَمَائِهَا فِي العُصُورِ الوُسْطَى إِلَى حَدٍّ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ مُؤَلِّفٌ غَيْرُهُ، فَمُنْذُ أَوَاخِرِ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ إِلَى أَوَاخِرِ القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ أَرَبْعَةَ قُرُونٍ كَامِلَةٍ ظَلَّتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ المَذْهَبُ الفِكْرِيُّ السَّائِدُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَدِّ الفِعْلِ الدِّينِيِ الذِي أَحَدَثَتَهُ هَذِهِ الفَلْسَفَةُ أَوَّلًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ فِي الأَنْدَلُسِ، ثَمَّ بَيْنَ التَّلْمُودِيِّينَ مِنَ اليَهُودِ، وَأَخِيرًا بَيْنَ رِجَالِ الدِّينِ مِنَ النَّصَارَى. وَمَا مِنْ شَكِّ فِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ كَانَ فَيْلَسُوفًا عَقْلِيًّا، وَكَانَ عَلَى حَقٍّ فِي إِخْضَاعِهِ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الشَّرِيعَةِ المُنَزَّلَةِ لِسُلْطَانِ العَقْلِ. وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ رُشْدٍ، كَمَا يُخَيَّلُ إِلَى بَعْضِهِمْ، بَاعِثَ الإِلْحَادِ وَلاَ عَدُوًّا لِلْدِّينِ ... وَلَقَدْ مَثَّلَ ابْنُ رُشْدٍ اِقْتِرابًا مِنَ الفَلْسَفَةِ الأَرِسْطُوطَالِيسِيَّةِ الخَالِصَةِ (غَيْرَ المَمْزُوجَةِ بِالمَذْهَبِ الإِسْكَنْدَرَانِيِّ) (٢). وَبَعْدَ حَذْفِ أَشْيَاءَ لاَ يَرْضَى عَنْهَا رِجَالُ الإِكْلِيرُوسْ فِي فَلْسَفَةِ ابْنِ رُشْدٍ، غَدَتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ مَوْضُوعَ الدِّرَاسَةِ فِي جَامِعَةِ بَارِيسْ وَفِي سِوَاهَا مِنْ مُؤَسَّسَاتِ الدِّرَاسَةِ العُلْيَا. وَلَقَدْ بَقِيَتْ فَلْسَفَةُ ابْنُ رُشْدٍ، بِكُلِّ حَسَنَاتِهَا وَبِكُلِّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا مِنْ أَخْطَاءَ، عَامِلًا حَيًّا فِي الفِكْرِ الأُورُوبِيِّ حَتَّى وِلاَدَةِ العِلْمِ التَّجْرِيبِيِّ الحَدِيثِ».

(١) Philip K. Hitti، History of the Arabs، fourth Edition، London ١٩٤٩، pp. ٥٨٢ - ٥٨٥
إن نقل النص الإنجليزي من كتاب (فيليب حتي) هو لمؤلفي هذا الكتاب. على أن هناك ترجمة عربية للكتاب المذكور. راجع " تاريخ العرب " (مطول). بقلم الدكتور (فيليب حتي). نقله إلى العربية الدكتور (إدوار جرجي) والدكتور (جبرائيل جبور)، بيروت ١٩٤٩ - ١٩٥١ (راجع ٣/ ٦٩٣، ٦٩٤).
(٢) المذهب الإسكندراني مذهب فلسفي نشأ في الإسكندرية. وهو يعرف خطأ بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة أو الفلسفة الأفلاطونية الجديدة. ويقوم المذهب الإسكندراني على محاولة التلفيق بين الفلسفة اليونانية والآراء المسيحية بتشويه الفلسفة اليونانية في الأكثر وتفسير العقائد المسيحية تفسيرًا رمزيًا.

1 / 223