Fatāwā Ḥusām ʿAffāna
فتاوى د حسام عفانة
١٩٣ - صلاة الجمعة
يقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في خطبة الجمعة مع ربط ذلك بما عليه خطباء المسلمين؟
الجواب: لا شك أن خير الحديث كتاب الله وأن خير الهدي هدي محمد ﷺ وأن من يطلع على هدي المصطفى ﵊ ليعجب مما يفعله كثير من خطباء اليوم في خطب الجمعة والعيدين وغيرها، فخطبة النبي ﷺ كانت تقريرًا لأصول الإيمان، من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته فتملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا كما كان ﵊ يعلم الصحابة في خطبه قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم ... ألخ.
وكان ﵊ يقرأ آيات من القرآن الكريم في خطبته أحيانًا سورًا من القرآن كسورة (ق) كما ثبت في الحديث عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄ قالت: (ما أخذت (ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرأها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) رواه مسلم وأحمد وغيرهما. وكان من هدي المصطفى ﵊ تقصير الخطبة وإطالة الصلاة فقد ثبت في الحديث عن عمار بن ياسر ﵄ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) رواه مسلم. والمئنة هي العلامة. أي أن قصر الخطبة وطول الصلاة علامة على فقه الخطيب. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة) رواه النسائي وإسناده صحيح. وكان ﵊ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش. هذا بعض ما جاء في الهدي النبوي في خطبة الجمعة ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم يرحمه الله. تلكم الصورة المشرقة التي كان عليها هدي المصطفى ﷺ في خطبة الجمعة. وإذا نظرنا إلى الصورة الواقعة في مساجدنا فماذا نرى؟ إن بعض الخطباء لا يكادون يقرؤون آية من القرآن في خطبهم ويكادون لا يذكرون حديثًا عن رسول الله ﷺ ونرى أن كثيرًا منهم يركزون خطبهم على موضوع واحد وكأن الإسلام محصور فيه قط. فمثلًا نجد كثيرًا من الخطباء لا يخطبون إلا في الموضوع السياسي للأمة أضف الى ذلك ما يضيفه بعض الخطباء على خطبهم من السباب والشتائم. ولا شك أن الموضوع السياسي مهم جدًا ولكن الإسلام ليس مقصورًا عليه وخاصة أن كثيرًا من الكلام الذي يقال هو مجرد كلام نظري لا يجد طريقه إلى أرض الواقع، وإنما العملية مجرد تنظير فلسفي فقط والناس في زماننا يحتاجون إلى التبصير في أمور دينهم كلها فيجب على الخطباء أن يتناولوا مختلف قضايا المسلمين وما يهمهم في الدنيا والآخرة. كذلك نجد أن بعض الخطباء يطيلون الخطبة طولًا يصيب المصلين بالسآمة والملل فإذا قاموا إلى الصلاة قرأ الإمام أقصر سور القرآن الكريم.
ومن الأمور المخالفة لهدي المصطفى ﵊ في خطبة الجمعة أن بعض الخطباء يقصرون الخطبة الثانية على الدعاء فقط ولا يذكرون فيها شيئًا من الوعظ والإرشاد والترغيب والترهيب. أضف إلى ذلك أن كثيرًا من الخطباء يستشهدون بالأحاديث دون التثبت من صحة نسبتها إلى الرسول ﵊ فكم مرة سمعنا الخطيب يملأ فمه قائلًا قال رسول الله ﷺ كذا وكذا ... ويكون الحديث مكذوبًا على الرسول ﷺ أو ضعيفًا واهيًا. فواجب الخطيب أن يتأكد من درجة الأحاديث التي يستشهد بها في خطبته بالرجوع إلى كتب أهل الحديث. ولا يكفي أن يأخذ الخطيب حديثًا من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري مثلًا دون أن يعرف اصطلاح الإمام المنذري الذي ذكره في مقدمة كتابه فهذه مسؤولية وأمانة وخاصةً أن عامة الناس يتلقفون تلك الأحاديث من أفواه الخطباء فيكون ذلك سببًا في انتشارالأحاديث المكذوبة والواهية بين الناس.
ومن الأمور المؤسفة أن كثيرًا من الخطباء يسكتون عن البدع التي تقع في المساجد يوم الجمعة وغيره والمخالفة للهدي النبوي دون أن يحركوا ساكنًا لإنكارها بل أن بعضهم يعمل على نشرها قولًا وفعلًا. ومن الأمور اللافتة للنظر أن بعض الخطب تكون على شكل البيانات الرسمية والمراسيم الحكومية، وليس لها نصيب من الخطبة إلا في الإسم فقط. هذا فضلًا عن كثرة الأخطاء النحوية والأخطاء في تلاوة الآيات القرآنية التي يقع فيها كثير من الخطباء. وختامًا أدعو كل من يتصدى للخطابة أن ينهل من هدي المصطفى ﷺ وأن تكون الخطبة على منوال خطب النبي ﵊.
6 / 193