284
٤ - ألفاظ التعزية
يقول السائل: يستعمل بعض الناس ألفاظًا عند التعزية كقولهم (البقية في حياتك) وقولهم (يسلم رأسك) فما حكم هذه العبارات أفيدونا؟ الجواب: التعزية من السنة وهي مستحبة عند أهل العلم فقد ورد في الحديث أن النبي؟ قال: (ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله ﷿ من حلل الكرامة يوم القيامة) رواه ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن كما قال الإمام النووي في الأذكار ص ١٢٦. وعن أم سلمة ﵂ قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه) رواه مسلم. وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن جعفر في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وفيها (فقال اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاث مرار) قال العلامة الألباني: وإسناده صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز ص ١٦٦. وعن بريدة الأسلمي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار، ويعودهم، ويسأل عنهم، فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره، وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل، يعزيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله مالي لا أجزع وإني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: الرقوب: الذي يبقى ولدها، ثم قال: ما من امرىء أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة، فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ: بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.) قال العلامة الألباني [رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت – الألباني - بل هو على شرط مسلم فإن رجاله كلهم رجال صحيحه، لكن أحدهم فيه ضعف من قبل حفظه لكن لا ينزل حديثه هذا عن رتبة الحسن والحديث أورده الهيثمي في المجمع ... وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح] أحكام الجنائز ص ١٦٥. إذا تقرر هذا فإن ألفاظ التعزي بابها واسع فتجوز بكل لفظ يدعو إلى الصبر ما لم يتضمن مخالفة للشرع قال الإمام الشافعي [وليس في التعزية شيء مؤقت يقال لا يُعدى إلى غيره] الأم ١/٢٧٨. وقال الإمام النووي: [وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت واستحب أصحابنا أن يقول في تعزية المسلم للمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك ... وأحسن ما يعزى به ما روينا في صحيح البخاري ومسلم. عن أسامة بن زيد ﵄ قال: أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إليه تدعوه وتخبره أن صبيًا لها أو ابنًا في الموت فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر وتحتسب ...] الأذكار ص ١٢٧. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [ولا نعلم في التعزية شيئًا محدودًا، إلا أنه يروى أن النبي ﷺ ﴿عزى رجلًا، فقال: رحمك الله وآجرك.﴾ رواه الإمام أحمد. وعزى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد فقال: أعظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم. وقال بعض أصحابنا: إذا عزى مسلمًا بمسلم قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، ورحم الله ميتك. واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: ﴿لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية، سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.﴾ رواه الشافعي في مسنده] المغني ٢/٤٠٥. وقال الشوكاني: [وأصل العزاء في اللغة: الصبر الحسن، والتعزية: التصبر، وعزَّاه: صبَّره، فكل ما يجلب للمصاب صبرًا يقال له تعزية بأي لفظ كان ...] نيل الأوطار ٤/١٠٩. وقال الحطاب المالكي [وأما ألفاظ التعزية فقال في الجواهر إثر كلامه المتقدم ذكر ابن حبيب ألفاظًا في التعزية عن جماعة من السلف، ثم قال والقول في ذلك واسع إنما هو على قدر منطق الرجل وما يحضره في ذلك من القول وقد استحسنت أن أقول: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها، وعقباك منها غفر الله لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج عنه.] . مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٣/٣٨. وقد وردت عبارات كثيرة عن السلف في التعزية منها ما رواه الطبراني في كتاب الدعاء بإسناده " عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل ﵁ أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لاإله إلا هو، أمابعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته بالصبر، ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على مافاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك، لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب - وهذه الزيادة في بعض طرقه - ثم قال: وما هو نازل بك فكأن قد، والسلام ". ورواه الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن]
وبناءً على ما سبق فإنه لم يرد في الشرع لفظ معين للتعزية وخاص بها، لا تصح إلا به، بل الأمر في ذلك واسع ومطلق، وكل ما أطلقه الشارع الحكيم يبقى على إطلاقه، لذلك تصح التعزية بكل لفظ يفيد التصبر والرضا بما قدر الله ﷿ نحو: عظم الله أجرك وألهمك الصبر والسلوان ونحو أحسن الله عزاءك، وجبر مصيبتك، وأعظم أجرك، وغفر لميتك، وهذه العبارات تقال في تعزية المسلم بالمسلم. وفي تعزية المسلم بالكافر يقول: (أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك.)
ومن المعلوم أنه يجوز للمسلم أن يعزي غير المسلم في ميته وهذا قول جمهور أهل العلم وذكر العلماء عدة عبارات تقال في هذه التعزية منها: (أخلف الله عليك ولا نقص عددك) ومنها (أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدًا من أهل دينك) (ألهمك الله الصبر وأصلح بالك) ومنها (أكثر الله مالك وأطال حياتك أو عمرك) ومنها (لا يصيبك إلا خير) وفي تعزية الكافر بالمسلم يقول: (أحسن الله عزاءك وغفر لميتك)
وأخيرًا فإن التعزية بعبارة (يسلم رأسك) لا حرج فيها حيث إنها متضمنة للدعاء للمخاطب بالسلامة، وكذلك عبارة (البقية في حياتك) لا بأس بالتعزية بها حيث فيها الدعاء بأن يكون الخير في بقية حياة المخاطب، ولكن الأولى والأفضل هو ما ورد من ألفاظ التعزية في السنة النبوية. وقد سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد العثيمين: عن حكم قول: (البقية في حياتك) عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم (حياتك الباقية) . فأجاب بقوله: لا أرى فيها مانعًا إذا قال الإنسان (البقية في حياتك) لا أرى فيها مانعًا، ولكن الأولى أن يقال إن في الله خلف من كل هالك، أحسن من أن يقال (البقية في حياتك)، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد.] عن الإنترنت
وخلاصة الأمر أن استعمال الألفاظ الواردة في السنة في التعزية هو الأحسن والأفضل ولكن لو استعمل ألفاظًا أخرى لا تتضمن محذورًا شرعيًا فلا حرج إن شاء الله ومنها قولهم (يسلم رأسك) وقولهم (البقية في حياتك) .

7 / 4