Fatāwā Ḥusām ʿAffāna
فتاوى د حسام عفانة
٨ - تمني الموت
يقول السائل: ما حكم تمني الموت إذا ضاقت الدنيا بإنسان وكثرت مشكلاته؟ الجواب: لا ينبغي للمسلم أن يتمنى الموت إذا ضاقت به الدنيا وهجمت المشكلات عليه وزادت همومه لأن في تمني الموت نوع من الاعتراض على قدر الله ﷾ بل الواجب على المسلم أن يفوض أمره إلى الله ﷾ وقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵂ أن النبي ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لا بد فاعلًا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) رواه البخاري ومسلم.
وقال أنس ﵁: [لولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا يتمنين أحدكم الموت) لتمنيته] رواه مسلم.
وعن قيس بن أبي حازم قال دخلنا على خباب ﵁ وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال: [لوما أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به] رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا. ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة. فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا وإما مسيئًا فلعله يستعتب) رواه البخاري. أي يطلب الرضا من الله بالإقلاع والاستغفار ويطلب إزالة العتاب.
وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا تدعوا بالموت ولا تتمنوه فمن كان داعيًا لا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) رواه النسائي
وقد قال جماعة من أهل العلم إن النهي عن تمني الموت خاص بما كان سببه الأمور الدنيوية كالفقر والمرض وفقد عزيز ونحو ذلك وأما إذا تمنى الإنسان الموت خوفًا من فتنة في دينه فيجوز ذلك.
قال الإمام النووي: [قوله ﷺ: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق فأما إذا خاف ضررًا في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة في لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم] شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٧٩.
وما أشار إليه النووي من تمني بعض السلف للموت ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: [اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط] رواه مالك في الموطأ.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للقدر وإن كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص، فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها ولا نقصها، ولكنه أمر قد غيب عنه وقد تقدم في " كتاب الفتن " ما يدل عل ذم ذلك في حديث أبي هريرة " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل يقول يا ليتني مكانه " وليس به الدين إلا البلاء، وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في " باب تمني المريض الموت من كتاب المرضى " قال النووي في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة أو محنة بعدو ونحوه من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررا أو فتنة في دينه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف بذلك وفيه أن من خالف فلم يصبر على الضر وتمنى الموت لضر نزل به فليقل الدعاء المذكور. قلت: ظاهر الحديث المنع مطلقا والاقتصار على الدعاء مطلقا، لكن الذي قاله الشيخ لا بأس به لمن وقع منه التمني ليكون عونا على ترك التمني] فتح الباري ١٣ /٢٧٢ - ٢٧٣
وقال العلامة ملا علي القاري: [وقد أفتى النووي انه لا يكره تمني الموت لخوف فتنة دينية بل قال: إنه مندوب. ونقل عن الشافعي وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: وكذا يندب تمني الشهادة في سبيل الله لأنه صح عن عمر وغيره بل صح عن معاذ أنه تمناه في طاعون عمواس ومنه يؤخذ تمني الشهادة ولو بنحو الطاعون وفي مسلم: من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصبه ويندب أيضًا تمني الموت ببلد شريف لما في البخاري أن عمر ﵁ قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي ببلد رسولك فقال بنته حفصة: أنى يكون هذا؟ فقال يأتي به الله إذا شاء. أي: وقد فعل فإن قاتله كافر مجوسي] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٤/٦٧.
وخلاصة الأمر أنه يكره للإنسان أن يتمنى الموت لضر دنيوي نزل به وعليه أن يصبر ويحتسب.
7 / 8