339

(* فصل فيما يضمن المستعير *) رجل استعار من آخر دابة ليحمل عليها مائة من من الحنطة ثم أن المستعير بعث الدابة مع وكيله ليحمل عليها مائة من من الحنطة له فحمل الوكيل طعاما لنفسه مثل طعام الموكل ذكر في الشركة لا يكون ضامنا * رجل استعار دابة ليذهب إلى مكان معلوم فذهب إلى مكان آخر بتلك المسافة كان ضامنا * ولو أمسك الدابة في بيته ولم يذهب فهلكت الدابة كان ضامنا لأنه أعارها للذهاب لا للإمساك في البيت * ولو استعار من آخر ثور ليكرب أرضا له وعين الأرض فكرب أرضا أخرى فهلك الثور في الاستعمال كان ضامنا لأن الأراضي تتفاوت في الكراب فصح التعيين * صبي استعار من صبي آخر فأسا أو نحو ذلك فأعطاه وكان الفأس لغير الدافع فهلك في يد الصبي المستعير قالوا إن كان الدافع مأذونا لا يجب الضمان على المستعير وإنما يجب على الدافع * وإن كان الدافع محجورا فصاحب الفأس بالخيار يضمن أيهما شاء * رجل استعار من آخر دابة على أن يذهب بها حيث شاء ولم يسم مكانا ولا وقتا ولا ما يحمل عليها ولا ما يعمل بها فذهب المستعير إلى الحيرة أو أمسكها بالكوفة شهرا يحمل عليها فعطبت الدابة لا يضمن في شيء من ذلك لإطلاق الإعارة * وإن استعار دابة يوما إلى الليل ولم يسم ما يحمل عليها لا يضمن إذا هلكت في اليوم وإن أمسكها بعد اليوم فهلكت ذكر في الكتاب أنه يكون ضامنا واختلف فيه المشايخ رحمهم الله تعالى * قال بعضهم إنما يضمن إذا انتفع بها في اليوم الثاني * وإن أمسكها ولم ينتفع بها لا يضمن * وقال بعضهم هو ضامن على كل حال * وإطلاق الكتاب دليل عليه وبه أخذ الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى لأن الإذن بالقبض موقت فبعد الوقت يكون ممسكا مال الغير بغير إذنه * المستعير إذا قضى حاجته بالدابة المستعارة فردها مع عبده أو مع بعض من كان في عياله فهلكت لا يكون ضامنا * وكذا لو ردها إلى عبد صاحبها عبد يقوم على الدابة * وقال الشيخ الإمام الزاهد المعروف بخواهر زاده رحمه الله تعالى على قياس هذا يجب أن يقال إذا رد الغاصب الدابة المغصوبة إلى عبد صاحبها عبد يقوم على الدابة ويحفظها صح رده * وللمعير أن يسترد العارية ويرجع فيها متى شاء كانت الإعارة مطلقة أو مؤقتة لأنها غير لازمة * رجل استعار من آخر أرضا ليبني فيها أو يغرس فيها نخلا فأعارها صاحب الأرض بذلك ثم بدا للمالك أن يأخذ الأرض كان له ذلك سواء كانت الإعارة مطلقة أو مؤقتة إلى عشر سنين أو ما أشبه ذلك لأنها غير لازمة * ثم إذا كانت الإعارة مطلقة فرجع المعير لا يضمن للمستعير شيئا ويكون للمستعير غرسه وبناؤه على قول ابن أبي ليلى والشافعي رحمهما الله تعالى يضمن المعير قيمة البناء والغرس قيمتها قائمة يوم الاسترداد * ولو كانت الإعارة مؤقتة بأن قال صاحب الأرض أعرتك هذه الأرض عشرين سنة لتغرس فيها أو تبني فيها ثم رجع عن الإعارة قبل مضي الوقت كان ضامنا للمستعير قيمة البناء والأغراس قائمة يوم الاسترداد عندنا إلا أن يشاء المستعير أن يرفع البناء والأغراس ولا يضمنه القيمة فيكون له ذلك إذا كان قلع الأشجار ورفع البناء لا يضر بالأرض فإن كان يضر ذلك كان لصاحب الأرض أن يمتلك البناء والأغراس بالقيمة * وعلى قول زفر رحمه الله تعالى للمستعير أن يرفع البناء والأغراس ولا يضمن صاحب الأرض كما لو كانت الإعارة مطلقة * رجل قال لغيره ابن في أرضي هذه على أن أتركها في يدك أبدا أو قال إلى وقت كذا فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك ويكون البناء لي فإذا أخرجه من الأرض يضمن قيمة البناء والغرس ويكون جميع ذلك لصاحب الأرض * ولو أن رجلا أعار أرضا ليزرعها ووقت لذلك وقتا أو لم يوقت فلما تقارب الحصاد أراد أن يخرج المستعير في القياس يكون له ذلك وفي الاستحسان لا يكون ذلك حتى يحصد الزرع لأن المستعير لم يكن مبطلا في الزراعة فيترك الأرض في يده إلى الحصاد بالأجر وتصير الإعارة إجارة * ولو أن رجلا أعار أرضا ليبني المستعير فيها أو يسكن ما بدا له على أني إن أخرجتك فالبناء يكون لي فهذه إجارة فاسدة لأنه شرط البناء لنفسه عند الإخراج فكان تمليك المنفعة تمليكا بعوض فتكون إجارة بمنزلة ما لو قال لغيره وهبتك منك هذه الدار بألف يكون بيعا وإنما فسدت الإجارة لجهالة المدة * وإذا مات المستعير أو المعير تبطل الإعارة كما تبطل الإجارة بموت أحد المتقاعدين * رجل استعار من رجل دابة عارية موقتة فلم يردها على صاحبها بعد مضى الوقت حتى هلكت يضمن قيمتها لأن رد العارية يكون على المستعير ومؤنة الرد تكون عليه وفي الوديعة تكون على صاحبها وفي الغصب تكون على الغاصب وفي الإجارة تكون على الآجر * رجل أعار دابة وسمى مكانا معلوما فجاوز بها ثم ردها إلى المكان المأذون فهلكت في يده كان ضامنا وفي الوديعة إذا لبس الوديعة حتى ضمن ثم خلع فهلكت في يده بعد ذلك برئ عن الضمان * رجل أعار شيئا وشرط أن يكون المستعير ضامنا لما هلك في يده لم يصح هذا الضمان ولا يكون ضامنا عندنا * رجل قال لغيره أعرتني دابتك فنفقت فقال رب الدلبة لا بل غصبتها فإن لم يكن ركبها كان القول قول المقر ولا ضمان عليه وإن كان قد ركبها لا يقبل قوله ويكون ضامنا لوجود سبب الضمان وهو استعمالدابة الغير * وإن قال رب الدابة آجرتكها وقال لا بل أعرتني كان القول قول الراكب مع يمينه ولاضمان عليه لأنهما تصادقا على ان الركوب كان بإذن المالك * رجل استعار حمار في الرستاق إلى البلد فلما أتى البلد لم يتفق له بالرجوع إلى الرستاق فوضع الحمار في يد الرجل ليذهب به إلى الرستاق ويسلم إلى صاحبه فهلك الحمار في الطريق قالوا إن كان شرطا في الإعارة أن يركب المستعير بنفسه كان ضامنا بالدفع إلى غيره * وإن استعار مطلقا لا يكون ضامنا لأن في الإعارة المطلقة للمستعير أن يعير غيره سواء كانت الإعارة فيما يتفاوت الناس فيه في الانتفاع كالركوب واللبس أو لا يتفاوت كسكنى الدار والحمل * وإن كانت الإعارة ليركب المستعير بنفسه فدفع إلى غيره كان ضامنا لأن في هذا الوجه ليس له أن يعير غيره فلا يكون له أن يدفع إلى غيره * وهذا على قول من يقول أن المستعير لا يملك الإيداع * ولو قال المعير لا تدفع إلى غيرك كان ضامنا على كل حال إذا دفع إلى غيره * رجل استعار دابة ليشيع جنازة إلى موضع كذا فلما انتهى إلى المقبرة دفعها إلى إنسان ودخل ليصلي فسرقت الدابة قال محمد رحمه الله تعالى لا يكون ضامنا * رجل استعار سترا للاذين فسرق الستر من الاذين لا يكون ضامنا لأنه لم يترك الحفظ فإن لم ينصبه في الحائط كان ضامنا * رجل استعار دابة فنام في المفازة ومقودها في يده فجاء إنسان فقطع المقود وذهب بالدابة لا يضمن المستعير لأنه لم يترك الحفظ * ولو أن السارق فك المقود من يده وذهب بالدابة ولم يعلم به المستعير كان ضامنا لأنه إذا نام على وجه يمكن فك المقود من يده وهو لا يعلم به يكون مضيعا * قيل هذا إذا نام مضطجعا فإن نام جالسا لا يضمن على كل حال لأنه لو نام جالسا ولم يكن المقود في يده ولكن الدابة تكون بين يديه لا يضمن فههنا أولى * رجل استعار حمار إلى الطاحونة فأدخله المربط الذي يكون ثمة وجعل على الباب خشبا كي لا يخرج الحمار فسرق الحمار لا يضمن لأن ذلك حفظ وليس بتضييع * ولو استعار بقرا واستعمله ثم تركه في المسرح للرعي فضاع إن علم ان صاحبه يرضى بكون البقر في المسرح وحده لا يضمن وإن لم يعلم بذلك يضمن *

رجل استعار من آخر ثورا فأعاره ثورا يساوي خمسين فجمع المستعير بين هذا الثور وبين ثور له يساوي مئة وقرنهما فعطب المستعار قالوا إذا فعل مثل ما يفعله الناس لا يضمن وإلا يكون ضامنا لأنه إذا فعل ما لا يفعله الناس لا يكون المعير راضيا * رجلان يسكنان في بيت واحد كل واحد منهما يسكن في زاوية منه فاستعار أحدهما من صاحبه شيئا ثم طلب العارية فقال المستعير قد كنت وضعته في الطاق الذي يكون في زاويتك قالوا إن كان البيت في أيديهما لا يكون المستعير رادا ولا مضيعا فلا يكون ضامنا * رجل دخل الحمام فسقطت قصعة الحمام من يده وانكسرت في الحمام أو انكسر كوز الفقاعة من يده عند الشرب قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى لا يكون ضامنا * قيل هذا إذا لم يكن من سوء إمساكه فإن كان من سوء إمساكه يكون ضامنا * رجل بعث أجيره أو تلميذه واستعار حمار فسقطت العباءة عن الحمار في الطريق قال أبو القاسم رحمه الله تعالى إن سقطت من عنف الأجير كان الأجير ضامنا وإن لم يعنف الدابة لا يكون ضامنا * رجل استعار من رجل دابة فحضرت الصلاة فدفعها إلى غيره ليمسكها فضاعت قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى إن كان المستعير شرط في العارية ركوب نفسه كان ضامنا لأنه لا يملك الإعارة في هذا الوجه فلا يملك الإيداع وإن لم يكن كذلك لا يضمن لأنه يملك الإعارة في هذا الوجه فيملك الإيداع وذكر محمد رحمه الله تعالى في السير أن المستعير إذا أودع عند من ليس في عياله كان ضامنا والله أعلم

(*فصل في المستعير إذا لم يدفع بعد الطلب *)

رجل استعار من رجل ثوبا ثم طلب المعير أن يرد فقال المستعير نعم هو ذا أدفعه إليك ثم فرط في الدفع حتى مضى شهر فسرق من المستعير قالوا إن كان عاجزا عن الرد وقت الطلب لا ضمان عليه * وإن كان المستعير قادرا على الرد فإن أظهر المعير السخط والكراهة في الإمساك ضمن المستعير * وكذا إذا لم يظهر السخط ولا الرضا لأن الرضا لا يثبت بالشك وإن صرح بالرضا لا يضمن المستعير * ولو استعار كتابا فضاع ثم جاء صاحب الكتاب وطالبه بالرد فلم يخبره بالضياع ووعد له الرد ثم أخبره بالضياع قال بعضهم إن لم يكن آيسا من وجوده لا ضمان عليه وإن كان آيسا من وجوده يكون ضامنا *

Page 234