Fiqh al-ʿibādāt ʿalāʾl-madhhab al-Shāfiʿī
فقه العبادات على المذهب الشافعي
٥- طهارة الثوب والبدن والمكان من الخبث:
ودليل طهارة الثوب قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر ٤) وما روي عن أبو هريرة ﵁: أن خولة بنت يسار أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه) فقالت: في لم يخرج الدم؟ قال: (يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) " (أبو داود ج ١ / كتاب الطهارة باب ١٣٢/٣٦٥)
ودليل طهارة البدن حديث عائشة ﵂ قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي") (البخاري ج ١/ كتاب الحيض باب ٨/٣٠٠) ولحديث المعذبين في القبر
ودليل طهارة المكان حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: (دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلًا (السجل الدلو العظيمة فيها ماء قل أو كثر) من ماء أو ذنوبًا (الذنوب: الدلو) من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) " (البخاري ج ١ / كتاب الوضوء باب ٥٧/٢١٧)
وإذا صلى المرء وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة دون أن يعلمها، أو علمها ثم نسيها لم تصح صلاته، وعليه إعادة الصلاة إذا تذكر ذلك، ويعيد كل صلاة تيقن فعلها مع النجاسة.
ولو سلم من صلاته ثم رأى عليه نجاسة يجوز أنها كانت في الصلاة ويجوز أنها حدثت بعدها فصلاته صحيحة، وتستحب إعادتها.
ومن رأى في ثوب المصلي أو بدنه أو المكان الذي يصلي فيه نجسًا يجهله وجب عليه إعلامه إذا علم أن ذلك مبطل للصلاة في مذهبه (أي مذهب المصلي)
ومن تنجس بعض بدنه أو ثوبه وجهل موضع النجاسة وجب عليه غسل جميعه دون أن يجتهد.
وإن كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ماء يغسلها به صلى عريانًا ولا يعيد لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض ومع النجاسة لا يسقط، فإن اضطر إلى لبسه لحر أو برد أو غيرهما صلى فيه، وأعاد إذا قدر لأنه صلى بنجس نادر فلا يسقط معه الفرض.
ولو كان معه ثوب طرفه نجس وليسمعه ماء يغسله به، وأمكنه قطع موضع النجاسة، فإن كان ينقص بالقطع قدر أجرة ثوب يصلي فيه لو اكتراه لزمه قطعه، وإن كان أكثر فلا يلزمه، ويصلي عريانًا ويعيد.
وإذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسلها به صلى وأعاد لحرمة الوقت، لحديث أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (البخاري ج ٦ / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب ٢/٦٨٥٨)
وتجب طهارة الموضع الذي يلامسه في قيامه وقعوده وسجوده، ولو ظنًا، سواء ما تحته، وما فوقه من سقف، وما بجنبيه من حائط وغيره، فإن فرش بساطًا طاهرًا على مكان نجس وصلى عليه صحت صلاته، وإن لاقى بعض بدنه أو ثوبه النجاسة، في صلاته سواء على السقف أو الحائط أو غيره لم تصح صلاته إلا أن تكون النجاسة جافة وفارقها بسرعة فيعفى.
وإذا كان على البساط أو الحصير ونحوهما نجاسة فصلى على الموضع النجس لم تصح صلاته، وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته.
وإن كان عليه ثوب طاهر وطرفه موضوع على نجاسة، كالعمامة على رأسه وطرفها على أرض نجسة لم تجز صلاته، لأنه حامل لما هو متصل بنجاسة، وكذلك لو مسك المصلي طرف حبل مربوط في عنق كلب لم تصح صلاته، أما لو جعل طرف الحبل تحت قدمه فلا يكون محمولًا، وتصح الصلاة.
ومن النجاسة الوشم فيجب عليه نزعه إن أمن ضررًا يبيح التيمم، وإلا فلا، هذا إن كان فعله بعد التكليف، أما إن فعله قبل التكليف فلا يضر، ولا تجب إزالته.
ويعفى عن ذرق الطير في الأماكن لمشقة الاحتراز منه، ولكن بقيود ثلاثة:
(١) أن يشق الاحتراز منه بحيث لو كلف العدول عن المكان إلى غيره لشق عليه.
(٢) ألا يتعمد الوقوف عليه.
(٣) جفاف الذرق وأعضاء المصلي.
ويعفى عن محل الاستجمار ولو عرق، وعن طين الشارع الذي تيقنت نجاسته والذي يتعذر الاحتراز منه غالبًا (إنما يكون العفو عن الطين إذا اختلطت النجاسة به ولم تظهر عينها، أما إن بقيت عينها ظاهرة فلا عفو مطلقًا، وأما إن لم تتحقق النجاسة فالعفو مطلق لأن الأصل الطهارة) كما يعفى عن النجاسة التي لا يدركها الطرف
ويعفى عن قليل وسخ البراغيث والقمل والبعوض والبق والذبابـ، وبول الخفاش، وسلس البول، ودم الاستحاضة، وما القروح والنَفَطات (النَفْطة والنِفطة والنَفِطة: البثرة، أو بثرة الحرق)
أما دم البثرات، والدماميل، والروح، والقيح، والصديد، وموضع الحجامة والفصد فحاصل المسائل فيها بالنظر إلى العفو وعدمه أنها ثلاثة أقسام:
(١) ما لا يعفى عنه مطلقًا - قليلًا كان أو كثيرًا - وهو المغلظ - من نحو الكلب أو خنزير - وما تعدى بتضمخه (أي بتلطخه كما يفعل بعض العوام من تلطيخ أنفسهم بدماء الذبائح)، وما اختلط بأجنبي غير ضروري (أي اختلاط النجاسة المعفو عنها بشيء آخر لا ضرورة له، ولو كان طاهرًا، أما إذا اختلطت بأجنبي ضروري كماء الطهارة والشرب، فالعفو باقٍ)
(٢) ما يعفى عن قليله دون كثيره والدم الأجنبي والقيح الأجنبي، سواء كان من نفسه، كأن انفصل منه ثم عاد إليه أو من غيره، إذا لم يكن من مغلظ، ولم يتعد بتضمخه.
(٣) الدم والقيح غير الأجنبيين، كدم الدمامل والقروح والبثرات وموضع الفصد والحجامة بعد سده بنحو قطنة فيعفى عن كثيره كما يعفى عن قليله وإن انتشر بعرق، للحاجة، ما لم يكن بفعله، أو ينتقل عن محله الذي يغلب سيلانه إليه، وإلا عفي عن قليله، ويندرج تحت عبارة ما لم يكن بفعله ما يقع من وضع لصوق على الدمل ليكون سببًا في فتحه وإخراج ما فيه، فيعفى عن قليله وكثيره، أما ما يقع كثيرًا من أن الإنسان قد يفتح الدمل بآلة قبل انتهاء المدة فيه مع صلابة المحل، ثم تنتهي مدته بعد فيخرج من المحل دم كثي ونحو قيح، فهذا لا يعفى عنه، على الأرجح، لأن خروجه مرتب على الفتح السابق، فكأنه خرج بفعله.
1 / 228