280

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

وَقد علمنَا يَقِينا أَن الْقُدْرَة من كل قَادر فِي الْعَالم فَإِنَّمَا هِيَ عرض فِيهِ وَأَن الْحَيَاة فِي الْحَيّ الْمَعْهُود بضرورة الْعقل عرض فِيهِ أَيْضا وَإِن الْعلم فِي كل عَالم فِي الْعَالم كَذَلِك وَقد وافقونا على أَن الْبَارِي تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك فَإذْ قد بَطل أَن يكون هَذَا مَوْصُوفا بِصفة الْقَادِر فِيمَا بَيْننَا والعالم منا الَّتِي لولاها لم يكن الْعَالم عَالما والقادر قَادِرًا فَإِن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من أهل تِلْكَ الصّفة فقد بَطل ضَرُورَة أَن يُسمى الْبَارِي تَعَالَى بإسم قَادِرًا وعالم أَو حَيّ اسْتِدْلَالا بِأَن الْفِعْل فِيمَا بَيْننَا لَا يَقع إِلَّا من عَالم قَادر وَإِذ قد جوزوا وجود علم لَيْسَ عرضا وحياة لَيست عرضا وَهَذَا أَمر غير مَعْقُول أصلا فَلَا ينكروا وجود حَيّ لَا بحياة وَسميع لَا بسمع وبصير لَا ببصر وكل هَذَا خُرُوج عَن الْمَعْهُود وَلَا فرق وَإِنَّمَا يستجاز الْخُرُوج عَن الْمَعْهُود إِذا جَاءَ بِهِ نَص من الْخَالِق ﷿ أَو قَامَ بِهِ برهَان ضَرُورِيّ وَإِلَّا فَلَا وَلم يَأْتِ نَص قطّ بِلَفْظ الْحَيَاة وَلَا الْإِرَادَة وَلَا السّمع وَلَا الْبَصَر وَاحْتج بَعضهم فِي مُعَارضَة من قَالَ إِن الْحَيّ لَا يكون إِلَّا حساسًا متحركًا بِإِرَادَة لأننا لم نشاهد قطّ حَيا إِلَّا حساسًا متحركًا بِإِرَادَة فَقَالَ هَذَا الْمُعْتَرض إِن من اتّفق لَهُ أَن لَا يرى نباتًا إِلَّا أَخْضَر وَلَا أَخْضَر إِلَّا نباتًا فَقطع بِأَن كل أَخْضَر فَهُوَ نَبَات فقد أَخطَأ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأول مَا يُقَال لَهُ قل هَذَا لنَفسك فِي استدلالك بأنك لم تَرَ قطّ فعالًا إِلَّا حَيا عَالما قَادِرًا وَلَا فرق ثمَّ نعود بعون الله تَعَالَى إِلَى بَيَان مَا شغبوا بِهِ مِمَّا لَا يعْرفُونَ الْفرق بَينه وَبَين مَا يَقع عَلَيْهِ فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أَن الْأَعْرَاض تَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا ذاتي لَا يتَوَهَّم بُطْلَانه بِبُطْلَان حامله كالحس وَالْحَرَكَة الإرادية للحي وَكَذَلِكَ احْتِمَال الْمَوْت للْإنْسَان مَعَ امكانية التَّمْيِيز للعلوم وَالتَّصَرُّف فِي الصناعات وَمَا أشبه هَذَا وَمن هَذِه الْأَعْرَاض تقوم فُصُول الْأَشْيَاء وحدودها الَّتِي تفرق بَينهَا وَبَين غَيرهَا من الْأَنْوَاع الَّتِي تقع مَعهَا تَحت جنس وَاحِد فَهَذَا الْقسم مَقْطُوع على وجوده فِي كل مَا وَقع اسْم حامله عَلَيْهِ وَالْقسم الثَّانِي غَيْرِي وَهُوَ مَا يتَوَهَّم بُطْلَانه وَلَا يبطل بذلك مَا هُوَ فِيهِ كاجترار الْبَعِير وحلاوة الْعَسَل وَسَوَاد الْغُرَاب فَإِن وجد عسل مر وَقد وَجَدْنَاهُ لم يبطل بذلك أَن يكون عسلًا وَكَذَلِكَ لَو وجد غراب أَبيض وَقد وجد لم يبطل بذلك أَن يكون غرابًا فَمثل هَذَا الْقسم لَا يقطع على أَنه مَوْجُود وَلَا بُد أبدا فَهَذَا الْفرق بَين مَا شغب بِهِ من النَّبَات لِأَنَّهُ إِن توهم النَّبَات أَحْمَر أَو أصفر لم يبطل أَن يُسمى نباتًا وَلكنه إِن توهم أَن يكون النَّبَات غير نَام من الأَرْض وَلَا متغذ برطوباتها منجذبًا بَحر الْهَوَاء ورطوبته فَإِنَّهُ لَا يكون نباتًا أصلا وَأَيْضًا فقد قَالَ بَعضهم أَنه قد يعرفهُ الْبَارِي حَيا من لَا يعرفهُ حساسًا متحركًا بِإِرَادَة قيل لَهُ وَقد يعرفهُ حَيا من لَا يعرف أَن لَهُ حَيَاة وَقد يعرفهُ جسمًا من لَا يعرفهُ مؤلفًا وَلَا مُحدثا وَلَيْسَ توهم الْجُهَّال لما توهموه من الحماقات حجَّة على أهل الْعُقُول والعلوم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ وَهُوَ أَن كل صفة فِي الْعَالم فَهِيَ ضَرُورَة وَلَا بُد عرض

2 / 123