Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal
الفصل في الملل والأهواء والنحل
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
عينين لِأَن النَّص لم يَأْتِ بذلك ونقول إِن المُرَاد بِكُل مَا ذكرنَا الله ﷿ لَا شَيْء غَيره وَقَالَ تَعَالَى حاكيا عَن قَول قَائِل قَالَ يَا حسرنا على مَا فرطت فِي جنب الله وَهَذَا مَعْنَاهُ فِيمَا يقْصد بِهِ إِلَى الله عز وَفِي حنب عِبَادَته وَصَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ وكلنَا يَدَيْهِ يَمِين وَعَن يَمِين الرَّحْمَن فَهُوَ مثل قَوْله ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يُرِيد وَمَا ملكتم وَلما كَانَت الْيَمين فِي لُغَة الْعَرَب يُرَاد بهَا الْحَظ للأفضل كَمَا قَالَ الشماخ ... إِذا مَارِيَة رفعت لمحمدٍ
تلقاها عرابه بِالْيَمِينِ ...
يُرِيد أَن يتلقاها بالسعي إِلَّا على كَانَ قَوْله وكلتا يَدَيْهِ يَمِين أَي كل مَا يكون مِنْهُ تَعَالَى من الْفَصْل فَهُوَ إِلَّا عَليّ وَكَذَلِكَ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إِن جَهَنَّم لَا تملأ حَتَّى يضع فِيهَا قدمه وَصَحَّ أَيْضا فِي الحَدِيث حَتَّى يضع فِيهَا رجله وَمعنى هَذَا مَا قد بَينه رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث آخر صَحِيح أخبر فِيهِ أَن الله تَعَالَى بعد يَوْم الْقِيَامَة يخلق خلقا يدخلهم الْجنَّة وَأَنه يَقُول للجنة وَالنَّار لكل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا فَمَعْنَى الْقدَم فِي الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ يُرِيد سالف صدق مَعْنَاهُ الْأمة الَّتِي تقدم فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ بهَا جَهَنَّم وَمعنى رجله نَحْو ذَلِك لِأَن الرجل الْجَمَاعَة فِي اللُّغَة أَي يضع فِيهَا الْجَمَاعَة الَّتِي قد سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه يمْلَأ جَهَنَّم بهَا وَكَذَلِكَ الحَدِيث الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن قلب الْمُؤمن بَين اصبعين من أَصَابِع الله ﷿ أَي بَين تدبيرين ونعمتين من تَدْبِير الله ﷿ ونعمه إِمَّا كِفَايَة تسرهُ وَإِمَّا بلَاء يأجره عَلَيْهِ وبالأصح فِي اللُّغَة النِّعْمَة وقلب كل أحد بَين توفيق الله وجلاله وَكِلَاهُمَا حكمه ﷿ وَأخْبر ﵇ أَن الله يَبْدُو لَهُ مُؤمن يَوْم الْقِيَامَة فِي غير الصُّورَة الَّتِي عرفوها وَهَذَا ظَاهر بَين وَهُوَ أَنهم يرَوْنَ صُورَة الْحَال من الهول والمخافة غير الَّتِي يظنون فِي الدُّنْيَا وبرهان صِحَة هَذَا القَوْل قَوْله ﷺ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور غير الَّذِي عرفتموه بهَا وبالضرورة نعلم أننا لم نعلم لله ﷿ فِي الدُّنْيَا صُورَة أصلا فصح مَا ذَكرْنَاهُ يَقِينا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الحَدِيث الثَّابِت خلق الله آدم على صورته فَهَذِهِ إِضَافَة ملكٍ يُرِيد الصُّورَة الَّتِي تخيره الله ﷾ ليَكُون آدم مصورا عَلَيْهَا وكل فَاضل فِي طبقته فَإِنَّهُ ينْسب إِلَى الله ﷿ كَمَا يَقُول بَيت الله تَعَالَى عَن الْكَعْبَة والبيوت كلهَا بيُوت الله تَعَالَى وَلَكِن لَا يُطلق على شَيْء مِنْهَا هَذَا الِاسْم كَمَا يطبق على الْمَسْجِد الْحَرَام وكما نقُول فِي جِبْرِيل وَعِيسَى ﵉ روح لله والأرواح كلهَا لله ﷿ ملك لَهُ وكالقول فِي نَاقَة صَالح ﵇ بِأَنَّهُ لله والنوق كلهَا لله عزوجل فعلى هَذَا الْمَعْنى قيل على صُورَة الرَّحْمَن والصور كلهَا لله تَعَالَى هِيَ ملك لَهُ وَخلق لَهُ وَقد رَأَيْت لِابْنِ فورك وعيره من لَا أشعرية فِي الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث أَنهم قَالُوا فِي معنى قَوْله ﵇ أَن الله خلق
2 / 128