312

Al-Faṣl fī al-milal waʾl-ahwāʾ waʾl-niḥal

الفصل في الملل والأهواء والنحل

Publisher

مكتبة الخانجي

Publisher Location

القاهرة

يَقُول ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرًا﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذَا نَص جرى على أَنه لَا يأْتونَ بِمثلِهِ بِلَفْظ الِاسْتِقْبَال فصح يَقِينا أَن ذَلِك على التأييد وَفِي المستأنف أبدا وَمن ادّعى أَن المُرَاد بذلك الْمَاضِي فقد كذب لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن تحال اللُّغَة فينقل لفظ الْمُسْتَقْبل إِلَى معنى الْمَاضِي إِلَّا بِنَصّ أخر جلي وَارِد بذلك أَو بِإِجْمَاع مُتَيَقن أَن المُرَاد بِهِ غير ظَاهره أَو ضَرُورَة وَلَا سَبِيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَى شَيْء من هَذِه الْوُجُوه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا﴾ عُمُوم لكل إنس وجن أبدا لَا يجوز تَخْصِيص شَيْء من ذَلِك أصلا بِغَيْر ضَرُورَة وَلَا إِجْمَاع
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن قَالَ بِالْوَقْفِ وَأَنه لَيْسَ للْعُمُوم صِيغَة وَلَا للظَّاهِر فَلَا حجَّة هَا هُنَا تقوم لَهُ على الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة فصح أَن إعجاز الْقُرْآن بَاقٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والنحو الثَّالِث مَا المعجز مِنْهُ أنظمه أم مَا فِي نَصه من الْإِنْذَار بالغيوب فَقَالَ بعض أهل الْكَلَام أَن نظمه لَيْسَ معجزًا وَإِنَّمَا إعجازه مَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَقَالَ سَائِر أهل الْإِسْلَام بل كلا الْأَمريْنِ معجزًا وَإِنَّمَا إعجازه مَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَقَالَ سَائِر أهل الْإِسْلَام بل كلا الْأَمريْنِ معجز نظمه وَمَا فِيهِ من الْأَخْبَار بالغيوب وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي مَا خَالفه فَهُوَ ضلال وبرهان ذَلِك قَول الله تَعَالَى ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ فنص تَعَالَى على أَنهم لَا يأْتونَ بِمثل سُورَة من سوره واكثر سوره لَيْسَ فِيهَا أَخْبَار بِغَيْب فَكَأَن من جعل المعجز الْأَخْبَار الَّذِي فِيهِ بالغيوب مُخَالفا لما نَص الله تَعَالَى على أَنه معجز من الْقُرْآن فَسَقَطت هَذِه الْأَقَاوِيل الْفَاسِدَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين والنحو الرَّابِع مَا وَجه إعجازه فَقَالَت طَائِفَة وَجه إعجازه كَونه فِي أَعلَى مَرَاتِب البلاغة وَقَالَت طوائف إِنَّمَا وَجه إعجازه أَن الله منع الْخلق من الْقُدْرَة على معارضته فَقَط فَأَما الطَّائِفَة الَّتِي قَالَت إِنَّمَا إعجازه لِأَنَّهُ فِي أَعلَى درج البلاغة فَإِنَّهُم شغبوا فِي ذَلِك بِأَن ذكرُوا آيَات مِنْهُ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة﴾ وَنَحْو هَذَا وموه بَعضهم بِأَن قَالَ لَو كَانَ كَمَا تَقولُونَ من أَن الله تَعَالَى منع من معارضته فَقَط لوَجَبَ أَن يكون أغث مَا يُمكن أَن يكون من الْكَلَام فَكَانَت تكون الْحجَّة بذلك أبلغ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد مَا نعلم لَهُم شغبًا غير هذَيْن وَكِلَاهُمَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ أما قَوْلهم لَو كَانَ كَمَا قُلْنَا لوَجَبَ أَن يكون أغث مَا يُمكن أَن يكون من الْكَلَام فَكَانَت تكون الْحجَّة أبلغ فَهَذَا هُوَ الْكَلَام الغث حَقًا لوجوه أَحدهَا أَنه قَول بِلَا برهَان لِأَنَّهُ يعكس عَلَيْهِ قَوْله بِنَفسِهِ فَيُقَال لَهُ بل لَو كَانَ إعجازه لكَونه فِي أَعلَى درج البلاغة لَكَانَ لَا حجَّة فِيهِ لِأَن هَذَا يكون فِي كل من كَانَ فِي أَعلَى طبقَة وَأما آيَات الْأَنْبِيَاء فخارجة عَن الْمَعْهُود فَهَذَا أقوى من شغبهم وَثَانِيها أَنه لَا يسْأَل الله تَعَالَى عَمَّا يفعل وَلَا يُقَال لَهُ لم عجزت بِهَذَا النّظم دون غَيره وَلم أرْسلت هَذَا الرَّسُول دون غَيره وَلم قبت عَصا مُوسَى حَيَّة دون أَن تقلبها أسدًا وَهَذَا كُله حمق مِمَّن جَاءَ بِهِ لم يُوجِبهُ قطّ عقل وَحسب الْآيَة أَن تكون خَارِجَة عَن الْمَعْهُود فَقَط وَثَالِثهَا أَنهم حِين طردوا سُؤَالهمْ رَبهم بِهَذَا السُّؤَال الْفَاسِد لَزِمَهُم أَن يَقُولُوا هلا كَانَ هَذَا الإعجاز فِي كَلَام بِجمع اللُّغَات فيستوي فِي معرفَة إعجازه الْعَرَب والعجم لِأَن الْعَجم لَا يعْرفُونَ إعجاز الْقُرْآن إِلَّا بأخبار

3 / 11