287

Al-Irshād ilā Ṣaḥīḥ al-Iʿtiqād waʾl-radd ʿalā Ahl al-Shirk waʾl-Ilḥād

الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الرابعة ١٤٢٠هـ

Publication Year

١٩٩٩م

مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، فلم يفرِّطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يُفْرِطوا إفراط الغلاة.
فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفساد واقع بقضاء الله وقدره، لا خالق سواه؛ فأفعال العباد مخلوقة لله؛ خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد غير مجبور على أفعاله، بل هو قادر عليها، وقاصد لها، وفاعل لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد؛ بمعنى أنها قائمة بالعبد وحاصلة بمشيئته وقدريه وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه، وهي من الله بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد، وجعلها عملًا له وكسبا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به، واقعة بقدرته وكسبه؛ كما إذا قلنا: هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله؛ بمعنى أنه خلقه منها، لم يكن بينهما تناقض ... " انتهى
وقال السفاريني: "والحاصل أن مذهب أهل السلف ومحققي أهل السنة أن الله تعالى: خلق قدرة العبد وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة، ومحدث لفعله، والله سبحانه جعله فاعلًا له محدثًا له؛ قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١؛ فأثبت مشيئة العبد، وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الله، وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الله ... " انتهى.
وأقول: إن مما يؤيد هذا أن الله أعطى الإنسان عقلًا وقدرة واختيارًا، ولا يحتسب فعله له أو عليه إلا إذا توفرت فيه هذه القوى؛ فالمجنون والمعتوه أو المكره لا اعتبار لما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، ولا يؤاخذون عليها؛ مما

١ سورة التكوير، الاية: ٢٩.

1 / 300