(مَسْأَلَة لم يضيق الْإِنْسَان فِي الرَّاحَة إِذا توالت عَلَيْهِ وَفِي النِّعْمَة إِذا حالفته)
وَبِهَذَا الضّيق يخرج إِلَى المرح والنزوان وَإِلَى البطر والطغيان وَإِلَى التحكك بِالشَّرِّ والتمرس بِهِ حَتَّى يَقع فِي كل مهوى بعيد وَفِي كل امْر شَدِيد. ثمَّ يعَض على أنامله غيظًا على نَفسه بِسوء اخْتِيَاره وأسفًا على تَركه مَحْمُود الرأى ومجانبته نصيحة الناصحين مَعَ مَا يجد من الْأَلَم فِي صَدره من شماتة الشامتين. أَي أطفاه الشِّبَع وأبطرته الْكِفَايَة وأترفته النِّعْمَة حَتَّى بطر وأشر واضطرب وانتشر. وَمن أجل ذَلِك قَالَ بعض السّلف الصَّالح: الْعَافِيَة ملك خَفِي لَا يصبر عَلَيْهَا إِلَّا ولى ملهم أَو نَبِي مُرْسل. هَذَا وَالنَّاس مَعَ اخْتلَافهمْ يحبونَ الْعَافِيَة ويميلون إِلَى الرَّاحَة ويعوذون من الشَّرّ وَمِمَّا يُورث مِنْهُ ويستعقب عَنهُ. الْجَواب: قَالَ أَبُو عَليّ مسكويه ﵀: السَّبَب فِي ذَلِك ان الرَّاحَة إِنَّمَا تكون عَن تَعب تقدمها لَا محَالة. وَجَمِيع اللَّذَّات يظْهر فِيهَا أَنَّهَا راحات من آلام. وَإِذا كَانَت الرَّاحَة إِنَّمَا تكون عَن تَعب فَهِيَ إِنَّمَا تستلذ وتستطاب سَاعَة يتَخَلَّص من الشَّيْء المتعب.