Al-Ibāna al-kubrā li-Ibn Baṭṭa
الإبانة الكبرى لابن بطة
Editor
رضا معطي، وعثمان الأثيوبي، ويوسف الوابل، والوليد بن سيف النصر، وحمد التويجري
Publisher
دار الراية للنشر والتوزيع
Publisher Location
الرياض
فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، وَسَمَّاهُمْ مُنَافِقِينَ، مَأْوَاهُمُ الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ مِنَ النَّارِ. عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُرْجِئَةِ، لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ جَحَدُوا الْعَمَلَ وَعَمَلُوهُ، وَالْمُرْجِئَةُ أَقَرُّوا بِالْعَمَلِ بِقَوْلِهِمْ وَجَحَدُوهُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، فَمَنْ جَحَدَ شَيْئًا، وَأَقَرَّ بِهِ بِلِسَانِهِ وَعَمَلَهُ بِبَدَنِهِ أَحْسَنُ حَالًا مِمَّنْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ وَأَبَى أَنْ يَعْمَلَهُ بِبَدَنِهِ، فَالْمُرْجِئَةُ جَاحِدُونَ لِمَا هُمْ بِهِ مُقِرُّونَ، وَمُكَذِّبُونَ بِمَا هُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ، فَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ. وَيْحَ لِمَنْ لَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ دَلِيلَهُ، فَمَا أَضَلَّ سَبِيلَهُ، وَأَكْسَفَ بَالَهُ، وَأَسْوَأَ حَالَهُ
١٠٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَنَ، يَقُولُ: قَالَ قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَنُحِبُّ رَبَّنَا ﷿، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. فَجَعَلَ اللَّهُ ﷿ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَمًا لِمَحَبَّتِهِ، وَأَكْذَبَ مَنْ خَالَفَهُ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ دَلِيلًا مِنْ عَمَلٍ يُصَدِّقُهُ، وَمِنْ عَمَلٍ يُكَذِّبُهُ يُعَلِّمُ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ الْإِيمَانَ: ⦗٧٩١⦘ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. فَأَعْلَمَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ الْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ عَلَى رُسُلِ اللَّهِ، وَبِمَا فِي كُتُبِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ لَيْسَ يَنْفَصِلُ الْإِسْلَامُ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ لَيْسَ يَقْبَلُ قَوْلًا إِلَّا بِعَمَلٍ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. فَأَخْبَرَنَا ﷿ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ قَوْلًا طَيِّبًا إِلَّا بِعَمَلٍ صَالِحٍ، أَوْ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا بِقَوْلٍ طَيِّبٍ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، ⦗٧٩٢⦘ فَلَا قَوْلٌ أَزْكَى وَلَا أَطْيَبُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلَا عَمَلٌ أَصْلَحُ وَلَا أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ. فَإِذَا قَالَ قَوْلًا حَسَنًا، أَوْ عَمِلَ عَمَلًا حَسَنًا، رَفَعَ اللَّهُ قَوْلَهُ بِعَمَلِهِ، وَإِذَا قَالَ قَوْلًا حَسَنًا، وَعَمِلَ عَمَلًا سَيِّئًا رَدَّ اللَّهُ قَوْلَهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]
2 / 790