304

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

كافة كنقل القرآن، فاستغنى عن نص السند فيه، وكان ورود المرسل وعدم وروده سواء، وذلك نحو (لا وصية لوارث)، وكثير من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وإن كان قوم قد رووها بأسانيد صحاح، فهي منقولة نقل الكافة كشق القمر، مع أنه مذكور في القرآن، وكإطعامه النفر الكثير من الطعام اليسير، وكسقيه الجيش من ماء يسير في قدح، وكصبه وضوءه في البئر، فانثالت بماء عظيم بتبوك، وكرميه التراب في عيون أهل حنين، فأصابت جميعهم... وأما المرسل الذي لا إجماع فيه فهو مطروح على ما ذكرنا، لأنه لا دليل على قبوله ألبتة، فهو داخل في جملة الأقوال التي إذا أجمع عليها قبلت، وإذا اختلف فيها سقطت، وهي ككل قولة لم يأت بتفصيلها نص، ومن قال بذلك دون برهان كان عاصياً لقوله تعالى: ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون))(١).

٣٧٨ - وابن حزم في هذا يأخذ ببعض منهاج الشافعي، فإن الشافعي رضي الله عنه لا يقبل المرسل إلا بمسوغ. وهو أن يكون المرسل من كبار التابعين، وأن يكون الحديث المرسل قد قوى برواية حديث متصل في معناه تلك وهي المرتبة الأولى من مراتب الإرسال، أو يؤيده مرسل آخر، أو يؤيده قول الصحابي في موضوعه، أو يتلقى المرسل أهل العلم بالقبول،

وترى أن ابن حزم قد وافق الشافعي في قبول المرسل الذي تأيد بتلقي أهل العلم له بالقبول، لأنه يعتبر ذلك إجماعاً، والحجة في الإجماع، لا في نفس المرسل، وكذلك إذا كان المرسل مؤيداً بمرسل آخر تلقاه العلماء بالقبول، فإن الحجية في ذلك التلقي، لا في المرسلين، وكذلك يقبل ابن حزم المرسل المؤيد بمسند، لأن الحجة في السند، هنا نجد ابن حزم متفقاً مع الشافعي، بل نجده يستشهد بالحديث الذي استشهد به الشافعي، وهو حديث (لا وصية لوارث). ولكن الذي يختلف فيه ابن حزم عن الشافعي في المرسل الذي أيده مرسل آخر، فإن الشافعي يقبل الاثنين إذا كان من أرسل الحديث

(١) الأحكام ٢ ص ٧٠.

304