وَالْأَخْبَار فِي هَذَا أَكثر من أَن يُحِيط بهَا هَذَا الْكتاب
وَأما زهده
ﷺ فَلَقَد كَانَ أزهد النَّاس وأورعهم وحسبك شَاهدا على ذَلِك مَا علم من حَاله ﷺ وَذَلِكَ أَنه أعرض عَن الدُّنْيَا وزهرتها وَلم يلْتَفت إِلَى شَيْء مِنْهَا مَعَ إقبالها عَلَيْهِ وسياقتها إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن الدُّنْيَا سيقت إِلَيْهِ بحذافيرها وترادفت عَلَيْهِ فتوحها وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يعرج عَلَيْهَا وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ فِي نَفَقَة عِيَاله وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُول اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا وَيَقُول اللَّهُمَّ أحييني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا وأحشرني فِي جملَة الْمَسَاكِين وَلَقَد صحت الْأَخْبَار عَنهُ أَنه مَا شبع ثَلَاثًا تباعا حَتَّى مضى لسبيله وَلَقَد روى أَنه مَا شبع من خبز الشّعير يَوْمَيْنِ متواليين وَمَا ترك رَسُول الله ﷺ دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَاة وَلَا بَعِيرًا وَمَا ترك إِلَّا بغلته وسلاحه وأرضا جعلهَا صَدَقَة وَكَانَ يَقُول مَا أحب أَن لي مثل أحد ذَهَبا يمْضِي ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارا إِلَّا شَيْئا أرصده لدين وَلَقَد قَالَ ﷺ عرض على رَبِّي أَن يَجْعَل لي بطحاء مَكَّة ذَهَبا قلت لَا يَا رب بل أجوع يَوْمًا وَأَشْبع يَوْمًا فَإِذا جعت تضرعت إِلَيْك ودعوتك وَإِذا شبعت شكرتك وحمدتك وَلَقَد حكى عَنهُ جمَاعَة من أَصْحَابه أَنه كَانَ يبيت هُوَ وَعِيَاله اللَّيَالِي المتتابعة طاويا لَا يَجدونَ عشَاء وَقَالَ أنس خادمه مَا أكل رَسُول الله ﷺ على خوان وَلَا فِي سكرجة وَلَا خبز لَهُ مرقق وَلَا رأى شَاة عبيطا قطّ
وَدخل عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب فَوَجَدَهُ مُضْطَجعا على رمل حَصِير قد أثر فِي جنبه قَالَ عمر فَنَظَرت فِي بَيته فَلم أر فِيهِ شَيْئا فَبَكَيْت لما رَأَيْت برَسُول الله ﷺ من الْحَاجة والفاقة فَقَالَ مَا شَأْنك يَا ابْن الْخطاب فَقلت يَا رَسُول الله ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا أعطاهما الله تَعَالَى فَقَالَ أَفِي شكّ أَنْت يَا ابْن الْخطاب أما ترْضى أَن تكون لَهما الدُّنْيَا وَلنَا الْآخِرَة وَقَالَت عَائِشَة لم يمتلئ جَوف نَبِي الله شبعا قطّ وَلم يبث شكوى إِلَى أحد وَكَانَت الْفَاقَة أحب إِلَيْهِ من الْغناء وَإِن كَانَ ليظل جائعا يلتوي طول ليله من الْجُوع فَلَا يمنعهُ صِيَام يَوْمه وَلَو شَاءَ سَأَلَ ربه كنوز جَمِيع الأَرْض وثمارها ورغد عيشها