مع أحكامه لعلم الرياضة يحكم أشياء أخر من أصول الحكمة فأخذ هَذَا اليهودي عنه أطرافًا من علوم القوم أحكم منها علم العدد وعلم حل الزيج وتسيير المواليد وعملها وشارك فِي غير ذَلِكَ مشاركة غير مفيدة وَكَانَ يعاني فِي أول أمره جر الشريط وَكَانَ محفوًا من اليهود وربما عانى شيئًا من الطب لأوساط الناس ثُمَّ غلبت عَلَيْهِ السوداء فأفسدت منه محا النخيل ومات فِي شهور سنة أربع وستمائة وَلَمْ يخلف وارثًا.
أبو الفضل الخازمي المنجم نزيل بغداد كَانَ هَذَا رجلًا منجمًا ببغداد يتكلم فِي الأحكام النجومية ويقلده الناس فيما يقول ويدعي أكثر مما يعلم ولما اجتمعت الكواكب السبعة فِي برج الميزان فِي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة وحكم فِي قرانها بأنه يحدث هواء شديد يهلك العامر وَمَا فِيهِ من الناس ولهج بذلك فِي سائر أقطار الأرض واهتم العالم بذلك ووافقه كل من سمع قوله من منجمي الأقطار وَلَمْ يخالفه غير رجل يعرف بشرف الدولة العسقلاني نزيل مصر فإنه كَانَ دقيق النظر ووجد فِي اقتران الكواكب والمكافأة مَا يدفع ضرر بعضها عن بعض وقال ذَلِكَ وضمن عَلَى نفسه أن يكون الأمر عَلَى خلافه وشرط أن يكون تِلْكَ الليلة الَّتِي أنذروا بوقوع الهواء فِيهَا لا يهب فِيهَا نسيم واهتم الناس بعمل السراديب فِي البلاد السهلية والمغائر فِي البلاد الجبلية ليتقوا بذلك الرياح العاصفة فلما كَانَ ذَلِكَ اليوم الموعود كَانَ الزمان صيفًا واشتد الحر وَلَمْ يصب نسيم وَلَمْ يظهر مما قالوه شيء فخزي المنجمون وامتحنوا من كذبهم فِي إنذارهم ووبخهم الناس وسبوا أكثرهم وقال الشعراء فِي ذَلِكَ أشعارًا كثيرة فمنهم أبو الغنائم محمد بن المعلم الواسطي قال فِي الخازمي المنجم هَذَا:
قل لأبي الفضل قول نعترف ... مضى جماد وجاءنا رجب
وَمَا جرت زعزع كما حكموا ... ولا بدا كوكب لَهُ ذنب
ملا ولا أظلمت ذكاء ولا ... أبدت أذى من ورائها الشهب
يقضي عَلَيْهَا من لَيْسَ يعلم مَا ... يقضي عَلَيْهِ هَذَا هو العجب
فرامِ بتقويمك الفرات والاصطر ... لاب خير من صفره الخشب
قَدْ بان كذب المنجمين وَفِي ... أي مقال قالوا فما كذبوا
مدبر الأمر واحد لَيْسَ للس ... بعة فِي كل حادث سبب