294
من أخلاق العلماء: العمل بالعلم
ومن أخلاق العلماء العظيمة: العمل بالعلم إذ المقصود من العلم هو العمل، وإلا صار حجة على صاحبه، وصار وبالًا وحجة عليه يوم القيامة، وليس بعالم من لم يعمل، فالعلم الحقيقي هو العمل، ولهذا فإن من أعظم أخلاق أهل العلم العمل بالعلم، وأن تُرى عليه آثاره؛ في كلامه، وفي أفعاله، وفي مدخله ومخرجه، وفي سفره وإقامته، وفي سائر أحواله.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه (كان يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشي مع الفقير والمسكين والأرملة حتى يقضي حاجته)، خرَّجه النسائي بإسناد صحيح.
هكذا العالم ينبغي أن يكون عاملًا بعلمه، متواضعًا، حافظًا وقته، كثير الذكر لله ﷿، قليل الكلام اللاغي، يحفظ وقته من أي كلام لا فائدة فيه، ويجتهد في تطبيق ما علمه من شرع الله من أداء الفرائض، وترك المحارم، والوقوف عند حدود الله ﷿، وهكذا العالم وطالب العلم الصادق، يحمله علمه وطلبه للعلم على المبادرة والمسارعة والعناية الكاملة بالعمل.
ولما تخلف اليهود عن العمل غضب الله عليهم، وفضحهم، بسبب علمهم وعدم عملهم ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠] نعوذ بالله! ونزه الله نبيه ﷺ عن صفات اليهود وعن صفات النصارى، فإن اليهود مغضوب عليهم لعدم عملهم بالعلم، ولإيثارهم العاجلة على الآخرة، فباعوا الآخرة بالدنيا، وآثروا الدنيا على الآخرة، وكتموا العلم، فباءوا بغضب على غضب، ولعنهم الله، وفضحهم في كتابه العظيم، والنصارى غلب عليهم الجهل والضلال، وأبوا البصيرة، فوصفهم بالضلالة في قوله في جلَّ وعَلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦]؛ وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون) .
ونزه الله نبيه عن هذين الوصفين، فقال ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١-٢]، صاحبنا هو محمد ﵊ ﴿مَا ضَلَّ) [النجم:٢]؛ لأنه على علم، وعلى هدىً، ليس بِجاهل، بل هو على علم وهدىً من ربه ﷿ ﴿وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] أي: ما خالف ما عنده من العلم، بل علم وعمل.
فهو مهتدٍ ليس بضال ولا غاوٍ، عامل بعلمه، قائم بحق الله عليه، داعٍ إلى ذلك ﵊، فلهذا قال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] .
فمن غلب عليه الجهل فهو ضال، ومن خالف العلم فهو الغاوي، قال ﷾: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١]، الذين لم يعملوا بالعلم، بل خالفوا معالمه، وآثروا الدنيا على الآخرة، وقدموا شهواتهم وحظوظهم العاجلة على طاعة الله ورسوله.
فالواجب على العالم أن يُعنى بالعلم، عملًا وسيرةً في جميع الأحوال، حتى تظهر آثار علمه عليه في أحواله كلها.
وعلى طالب العلم أن يتأسى بأهل العلم في ذلك، فيعمل بما علم، ويجتهد في تطبيق أقواله وأعماله وسيرته على ما علم؛ لأنه الآن طالب، وغدًا عالم مسئول بين يدي الله.

11 / 6