277
حكم أقامة الحدود من غير الحاكم المسلم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
السؤال
امرأة زوجها عسكري ويغيب كثيرًا، فاتخذت خدنًا في غيابه، فشاهدتهما امرأة، فاستفتت شيخًا، فأفتاها بنصحها ثلاثًا علها تتوب، فإن لم تتب تخبر أهلها، وقد فعلت ذلك فلم ترتدع، فترصدوا لهما فقتلوهما، وصلى عليهما الشيخ لأنهما يصليان، ما حكم الإسلام في كل ما جرى بالتفصيل؟
الجواب
فتوى الشيخ من حيث الإخبار وليس لتحقيق أن هناك زنا، وهذا ليس من الضروري لمنع المتخادنين من اجتماعهما على حرام، فليس من الضروري أن يتهما بالزنا، يكفي أن هذا الرجل الغريب عنها يدخل البيت، فالإنباء بهذا الخبر لا شيء فيه، بل هو واجب، وفتوى الشيخ المشار إليه هنا هو في بابه إن كان ليس هناك اتهام بالزنا؛ لأنكم تعلمون جميعًا أنه لا يجوز في الشرع الإسلامي اتهام رجل أو امرأة بالزنا إلا بشهادة أربعة، وإلا ففي الحكم الإسلامي -لو كان هناك من يحكم بالإسلام- أن الذي يقذف أي رجل ولو كان القاذف صادقًا بالزنا، ثم لا يستطيع أن يثبت دعواه فيجلد حد المفتري، أما إذا قال: إن فلانًا غريبًا يدخل البيت، فليس فيه هنا اتهام بالزنا، وبهذا المقدار من الإخبار تحصل مصلحة الردع، فإذا كان الإخبار في هذه الحدود فلا شيء في ذلك أبدًا.
أما قتلهما فهذا أيضًا لا يجوز شرعًا، وذلك لأسباب: أولًا: أن الحدود الشرعية لا يقيمها إلا الحاكم المسلم، ونحن نعرف ونسمع دائمًا وأبدًا الجواب التقليدي: لا أحد اليوم يقيم الحدود الشرعية، فنقول: نعم.
مع الأسف لا أحد يقيم الحدود الشرعية، فهل نصبت نفسك لإقامة الحدود الشرعية؟! فكلما رأيت رجلًا وقع في حد شرعي تذهب وتقيم عليه الحد، أم أن العملية عملية (تفشيش خلق) كما يقول العامة، ثم أنت تريد أن تبرر هذا الخطأ بدعوى أن الحكام اليوم لا يقيمون الحدود؟! صحيح أن الحكام اليوم لا يقيمون الحدود، ولكن هذا لا يعني أن يتولى فرد من أفراد الناس إقامة الحدود؛ لأن هذا التولي سيفتح بابًا جديدًا من الفتنة كنا في راحة منه، مثلًا: هذان المتهمان بالزنا قتلا، ولا بد لكل من المقتولين من أقارب، وقد تأخذهم الحمية حمية الجاهلية فيثأرون لهما بالحق أو بالباطل، وهكذا تتشعب القضية وتصير قضية عشائرية، كما يقع في البوادي.
لذلك أقول: لا يجوز أن يتولى إقامة الحدود غير الحاكم المسلم، وحينما نظهر الأسى والأسف لأنه ليس هناك من يقيم الحدود الشرعية، فهذا لا ينبغي أن يفتح لنا بابًا غير شرعي، ولكن ينبغي أن يذكرنا بتقصير المسلمين جميعًا في عدم وجود دولة مسلمة تقيم الحدود الشرعية، فضلًا عن تنفيذ الأحكام الشرعية بحذافيرها، فحينما نتذكر هذا يجب أن يدفعنا إلى أن نعمل لإقامة هذه الدولة المسلمة، وذلك كما تعلمون -وقلنا ذلك مرارًا وتكرارًا- لا يكون بالصياح والحماس، و.
إلخ.
ولكن يكون ذلك بالجهاد الذي لا يستطيعه المجاهدون -زعموا- الجهاد الذي لا يستطيعه أولئك الذين يدعون أنهم يجاهدون الكفار؛ لأننا نعني بالجهاد: الثبات على العمل للإسلام بصورة مستمرة، وبدأب مستمر، إلى أن يأتيه اليقين، يعمل للإسلام كل بحسبه إلى أن يأذن الله ﷿ للمجتمع الإسلامي أن يستأنف مسيرته، وللدولة الإسلامية أن تقوم على هذا الأساس من المجتمع الإسلامي، فأين المسلمون من هذا العمل؟! كل المسلمين اليوم لا يعملون ما يجب على كل منهم أن يعمل لاستئناف الحياة الإسلامية على الأقل في بيوتنا على الأقل في دورنا، ليس في بلادنا، ولا في دولتنا، ولا في دولنا الكبيرة، بل في بيوتنا، كما قال ذلك الداعية الحكيم: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقم لكم في أرضكم.
ثانيًا: أن المسلمين في الحقيقة يعيشون في مشاكل كثيرة وكثيرة جدًا، هم من ناحية مقصرون في تطبيق ما يعلمون من الأحكام الشرعية، ومن ناحية أخرى يقع أحدهم في مخالفة، فيحاول تبرير هذه المخالفة بوسائل عديدة، بعضها وسائل حديثة وجديدة، وهي أنه أصبح كل واحد منا مجتهدًا، وكل واحد منا يقول لك: أنا أفهم الحديث هكذا، وهو لو قيل له: كم حديثًا مر عليك وبقي آثار معانيها وليس ألفاظها في ذهنك؟ ربما يقول: مائة حديث، ألف حديث، إلخ.
وهذا مما يجرني إلى أن أضرب على ذلك مثلًا، والأمثلة كثيرة جدًا جدًا، وأنا ليس عندي من الوقت ما يكفي لتسجيلها، ولكن منذ عهد قريب قال لي أحدهم متسائلًا: أحد إخواننا يرى أن البنطلون الطويل الذي يكاد يجر على الأرض، بل يجر فعلًا على الأرض، ليس داخلًا في النهي عن جر الإزار؛ لأن الرسول ﵊ عندما قال: (لا ينظر الله يوم القيامة إلى من يجر إزاره خيلاء، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن إزاري يسقط، قال: إنك لا تفعل ذلك خيلاء) فأخذ هذا الشاب من جواب الرسول ﵊ لـ أبي بكر أنه لا يوجد مانع أن يكون الإزار طويلًا ما دام أن النية طيبة، فهكذا فهم المراد، وقد يكون من الجائز له مثل هذا الفهم من هذا الحديث، وليس له ذلك، ولكن هذا يعني أنه لم يطلع على أحاديث أخرى سوى هذا، ومن هنا يجب أن يعتبر هؤلاء الشباب، وألا يفسحوا المجال لأشخاصهم وذواتهم أن ينطلقوا مستقلين غير مستعينين بالعلماء قديمًا وحديثًا على فهم النص؛ لأن النص الواحد يفهم على ضوء النصوص الأخرى التي تحيط به.
فهنا مثلًا في هذا الحديث، أليس هناك أحاديث أخرى؟ الجواب: بلى.
ولكن هذا الإنسان ما عرف إلا هذا الحديث في هذه المسألة، فهناك مثلًا قوله ﵊: (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار) هذا منهج ونظام يضعه النبي ﷺ للمسلم في ثوبه، وليس لهذا علاقة بالحديث السابق، ذلك الوعيد الشديد لمن يجر إزاره خيلاء، بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة، لكن هذا لا يعني أن الذي يتعمد إطالة الثوب -أي ثوب كان- إلى ما تحت الكعبين أنه ليس عاصيًا، وأنه ليس مستحقًا للنار؛ لأن الحديث يأتي هكذا بهذه المراتب الثلاث: المرتبة الأولى: مرتبة فاضلة، في شأن المؤمن الكامل.
المرتبة الثانية: دونها وهي مرتبة جائزة.
المرتبة الثالثة: مرتبة العاصي المستحق للنار (أزرة المؤمن إلى نصف الساق، فإن طال فإلى الكعبين، فإن طال ففي النار)، فهذا المؤمن الذي يطيل ثوبه إلى ما دون الكعبين يكون في النار، أي: يستحق النار، كذلك هناك أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة: (.
نعم الرجل فلان لولا طول إزاره)، أو كما قال ﵊، وهناك أحاديث كثيرة بهذا المعنى، فأين يذهب هؤلاء الشباب بمثل هذه الأحاديث؟! يضربون بها عرض الحائط، ويظلون يتمسكون بهذا الحديث! فهذا من جملة البلايا التي يصاب بها العالم الإسلامي اليوم.
ومن البلايا المتجسدة الآن: ما كنتم سمعتم من جماعة التكفير في مركز القاهرة في مصر، وقد قتل منهم جمع بحق أو بباطل، وهذا ليس مجالًا للبحث فيه، لكنهم لا شك كانوا قد خرجوا عن الأحكام الشرعية، أو على الأقل عن بعض الأحكام الشرعية، وهأنتم الآن سمعتم بمشكلة المسجد الحرام مع الأسف الشديد، فهم أذناب أولئك تمامًا، فهم شباب طيبون، وإلخ، ولكنهم أصيبوا بالعجب، وأصيبوا بالغرور، فأخذوا يرسلون أحكامًا فوق مستواهم العلمي.
ولعل احتلالهم المسجد هو من فعل الفتاوى القائمة على القاعدة المعروفة: الغاية تبرر الوسيلة.

22 / 7