Durūs lil-Shaykh al-Albānī
دروس للشيخ الألباني
مسألة: إثبات رؤية هلال رمضان بالرؤية الحسابية
وهنا يثار عادة بمثل هذه المناسبة المسألة التي كثر الخلاف فيها قديمًا وحديثًا، ألا وهي: هل يجوز إثبات هلال رمضان إما بالرؤية البصرية مع الاستعانة بالآلات المكبرة، أو بالرؤية الحسابية؟ هذا خلاف معروف منذ القديم، ولكن اشتد الخلاف في العصر الحاضر بسبب وجود الآلات المقربة والمكبرة، والتي تساعد على رؤية الهلال بالعين العادية ليس بعلم الحساب كالتقويم.
والذي نراه أنه يجب على المسلمين أن يظلوا عند ظاهر هذا الحديث، وهو الذي يقتضي إثبات الهلال بالرؤية العادية بدون الاستعانة بالآلات المكبرة، أو بدون الاستعانة بالعمليات الحسابية، والسبب في هذا يعود إلى أمور: أولًا: ظاهر هذا الحديث، حيث يقول ﵇: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) .
ثانيًا: لأن الرسول ﵌ قد أكد هذا الظاهر من هذا الحديث بقوله في حديث آخر، ألا وهو قوله ﵇: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فحكم الرسول ﵌ بهذا الحديث على الأمة الإسلامية، بالأمية تبعًا لنبيها الأمي: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فألحق الرسول ﵊ الأمة الإسلامية ولو كانت في واقعها في كثير من عصورها ليست أمية، ولكن الرسول ﵇ ألحق الأمة بنبيها من حيث أنه وصفها بأنها أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.
لذلك فنحن يجب أن نلتزم هذا الوصف الذي وصف به رسول الله ﵌ أمته، من هذه الحيثية وهي: من حيث أنه ينبغي الاقتصار بإثبات الهلال على الرؤية البصرية العادية والابتعاد عن العلوم الحسابية؛ هذا هو الأمر الثاني الذي يوجب علينا أن نتمسك في إثبات الهلال بالرؤية العينية البصرية العادية.
ثالثًا: هو أن الإسلام من طابعه -أيضًا- أنه سمح سهل ميسر مذلل للناس، بينما إذا تركنا هذا الأمر الميسر لكل الناس: (إذا رأيتموه فصوموا) وأردنا أن نلتزم وسيلة من الوسائل التي هي خاصةٌ ببعض الناس، الذين عندهم من الوسائل العلمية التي قد لا تتيسر لكل طائفة أو لكل شعب أو لكل أمة؛ صار الإسلام كأنه ليس دينًا عامًا ميسرًا لكل الشعوب مهما كانت ثقافاتها ومدنيتها مختلفة بعضها عن بعض، فلا شك أن هذا الخطاب: (إذا رأيتموه فصوموا) يتوجه إلى كل شعب من الشعوب المسلمة، على ما بين الشعوب من تفاوت في الحضارة والمدنية والثقافة، بينما إذا التزمنا إثبات الهلال بالرؤية المجهرية -مثلًا- بالآلة المكبرة؛ انحصر الإثبات بالدولة التي تمتلك هذه الوسيلة الحديثة، كذلك إذا أردنا أن نثبت الدخول في الصيام بالعمليات الحسابية؛ انحصر أيضًا طريق هذا الإثبات بمن يعلمون علم الحساب الدقيق، وهذا ينافي شمول الإسلام ويسره لجميع الشعوب وفي جميع الأزمان والأماكن.
ولا يقال هنا بأن الرؤية المجهرية والعمليات الحسابية دقيقة جدًا؛ بحيث أنه لا يبقى هناك مجال للتردد أو للتشكك؛ فإننا نقول: إن الإسلام من يسره أنه قال: إذا رأيتموه -هذه الرؤية الطبيعية التي لا تحتاج إلى تكلف- فصوموا، وسيأتي قريبًا -إن شاء الله- أن هذه الرؤية تثبت بشهادة رجل مسلم عدل، وليس بحاجة إلى استحضار شهود كثيرين، وهذا من تمام التيسير لإثبات الهلال، ومع ذلك فهو يقول في آخره: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين يومًا) انتهت المشكلة، فما تحتاج القضية إلى كثير من الجدل والمناقشة، ما دام أن الإسلام أقام إثبات هلال رمضان ككل أهلة الشهور الباقية على هذه الرؤية الميسرة لكل إنسان عادي طبيعي، وبمجرد أن يشهد شاهد مسلم على أنه رأى الهلال -كما سيأتي وكما ذكرنا- ثبت الهلال، فإن كان هناك في السماء حائل قد حال بين الرؤية وبالتالي بينه وبين الصيام؛ أتموا الشهر السابق الذي هو شهر شعبان ثلاثين يومًا، فيصبحون في اليوم الذي بعده صائمين قطعًا، فالفرق يبقى بين أن يكون شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا أو يكون ثلاثين يومًا.
حتى لو فرضنا أن الواقع الآتي: كان هناك في السحاب غمام، -غمام شفاف- بحيث أنه يحول بين الرائي بالعين المجردة وبين رؤية هذا الهلال، لكن إذا سلط الآلة المكبرة -المجهر- أزال ذلك السحاب الشفاف فرأى الهلال من ورائه، فحينما اعتمدنا على العين المجردة ماذا أصابنا من الناحية الشرعية؟ لا شيء: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين) ما نكون قد خسرنا شيئًا من الناحية الشرعية؛ لأن الشرع لا يحاسب ولا يدقق مع المسلمين، بحيث أنه لو ثبت فيما بعد بطريقة ما أن الهلال كان ظاهرًا لكنه لم يُرَ بسبب ذلك السحاب، ماذا يضرنا؟ قد قال: (فإن غم عليكم فأتموا الشهر ثلاثين) إذا ما أصبحنا في هذا اليوم صائمين، وقد رئي -مثلًا- الهلال بالآلة المكبرة لكنه لم ير بالعين المجردة؛ لم يضرنا ذلك شيئًا إطلاقًا؛ لأننا ما بين أن نراه بأعيننا العادية فنصوم أو لا نراه فنتم الشهر ثلاثين يومًا، وقد فعلنا أحد الأمرين حينما حاولنا أن نراه بالعين المجردة.
لذلك فأنا في اعتقادي: بأنه لا ضرورة ملحة لجعل المسلمين في العالم الإسلامي اليوم يستعيضون عن النظرة العادية بالنظرة العلمية؛ سواءً كانت بالآلة المكبرة أو كانت بالعملية الحسابية، ونحن نعتقد أن الإسلام لا يزال ينتشر في الأرض انتشارًا بالغًا، وفي الوقت نفسه نعتقد أن الأماكن التي ينتشر فيها الإسلام لا يوجد فيها شيء من هذه الآلات ومن هذه الوسائل العلمية، وسيظل هذا الحكم سائرًا: (إذا رأيتموه) سائرًا إلى الأبد ما وجد الإسلام على وجه الأرض، وحينئذٍ فالأولى بالمسلمين أن يوحدوا الوسيلة التي بها يثبتون هلال شعبان أو هلال رمضان ولا يختلفوا في هذه الوسائل ما دام أن الشارع وحد الوسيلة بمثل هذا الحديث: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) .
هذا ما كان بقي عليّ من الكلام حول هذا الحديث.
25 / 3