Durūs lil-Shaykh al-Albānī
دروس للشيخ الألباني
سبب تأخير إحياء سنة صلاة التراويح
السؤال
ما دام أن العلة انتفت بموت الرسول، فلم لم تحي هذه السنة في خلافة أبي بكر، أو في صدر خلافة عمر؟
الجواب
أقول لك: أولًا: هذا السؤال إيراده ليس له علاقة بالموضوع من حيث فهمه هل هو صواب أو خطأ، والجواب عليه كذلك لا علاقة له بالموضوع، لم؟ لأن الأهم من ذلك أن تعلم هل الذي صنعه عمر هو بدعة في الدين، أم إحياء لسنة من سنن الرسول ﵊؟ فإذا عرفنا بالأدلة السابقة وغيرها أنه لم يبتدع في الدين -وحاشاه- وإنما أحيا سنة من سنن الرسول ﵇، فما الذي يهمنا في أن نعرف السبب الذي من أجله لم يحي أبو بكر الصديق هذه السنة، والسبب الذي من أجله لم يحي عمر هذه السنة في أول خلافته، ما الذي يضرنا؟ كثير من العلم يكون الجهل به مثل العلم به -أي: من نافلة القول- ومع ذلك فأهل العلم يجيبون أن الذي منعهم هو اشتغال أبي بكر بحروب الردة، وأنه كان في ذهنه يحمل همًا كبيرًا وخطيرًا جدًا، إذ كان يخشى أن يقضى على الإسلام من هؤلاء المرتدين، فهذا أمر خطير وخطير جدًا أخذ كل تفكيره وكل اهتمامه فصرفه إلى رد هذه الضلالة الكبرى التي حدثت، ولم يعد عنده مجال ليفكر في أن يحيي هذه السنة.
بخلاف عمر بن الخطاب الذي بدأت الأمور تهدأ في خلافته، فأحيا هذه السنة، ومن هنا يظهر لك أنه ليس من المهم أن نعرف السبب -على أن هذا السبب ممكن أن يكون كذلك- المهم أن نعرف هل الذي فعله مشروع، أم ليس بمشروع؟ السائل: لم لم يفعل ذلك ثلاثة أيام كما فعل الرسول ﷺ؟ الشيخ: هذا القول لا يصح؛ لأن الرسول فعل ثلاثة أيام لعلة، ونحن ذكرناها، فهناك -يا أخي! - فقه وقواعد أصولية، يقول أهل العلم: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
ما معنى هذا؟ مثال يفهمه كل الناس: ما علة تحريم الخمر؟ الإسكار، فإذا ذهب الإسكار من الخمر لسبب ما كالتخلل مثلًا، تغير الحكم، كان خمرًا محرمًا؛ لأنه مسكر، فلما انقلب خلًا خرج عن كونه خمرًا مسكرًا فصار شيئًا آخر، والخل مباح كما هو معلوم لدينا جميعًا.
كيف اختلف هذا عن هذا؟ بوجود العلة، وزوال العلة، ما دامت العلة موجودة في الخمر وهي الإسكار؛ فهو حرام، وإذا زالت هذه العلة؛ خرجت من كونها حرامًا وصارت حلالًا.
الدابة الميتة، إذا مرت عليها عوامل من العوامل التي خلقها الله في كونه، ومنها الشمس، والأمطار، والرياح، فانقلبت بهذه العوامل الإلهية- هذه الدابة الميتة- ملحًا، يصبح هذا الحيوان الذي كان أكله محرمًا حلالًا، بعد أن انقلب إلى شيء آخر؛ إلى ملح.
ولذلك تقول بعض المذاهب: إن التحول من جملة الأشياء المطهرة، كالأرض -مثلًا- التي يقع فيها نجاسة إذا تبخر ما فيها من نجاسة وذهب طهرت الأرض.
كثير من المسائل من هذا القبيل تقوم على هذه الملاحظة، وهي وجود العلة أو زوالها، فالرسول ﷺ لما وحصبوا بابه وخرج مغضبًا قال: (عمدًا تركته، إنه لم يخف عليَّ مكانكم هذا، إني خشيت أن تكتب عليكم) إذًا هذه الخشية زالت بوفاة الرسول ﷺ، ولم يبق هناك مجال للإتيان بأحكام جديدة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: جئتك بالحديث القولي: (من صلى العشاء مع الإمام، ثم صلى قيام رمضان معه كتب له قيام ليلة) ما قال: في ثلاث ليالٍ، بل جعله شرعًا أبديًا إلى يوم القيامة، ولذلك ما دام أن العلة السابقة زالت، وما دام أن هذا الحديث موجود وهو صحيح كما قلت، فلا يجوز لنا أن نقول: إن عمر ابتدع في الدين، وشرع للناس، وأصبحت هذه الشريعة مستمرة إلى يوم القيامة، هذا من أفحش الأخطاء التي قد يبتلى بها بعض الناس؛ لأنه أولًا: يلزم تعطيل قول الرسول: (إني خشيت أن تكتب عليكم)، بينما هذا تحته توجيه كريم: أنه إذا زالت الخشية بوفاتي فلا مانع أن ترجعوا إلى هذه الصلاة، بدليل: أن قصة إحياء عمر لهذه السنة قد جاء فيها: أن عمر بن الخطاب حسب عادته كان يطوف في المسجد، فيجد الناس يصلونها زرافات وأفرادًا، جماعة هنا وجماعة هنا، إذًا هم يصلون جماعة، لكن جماعات متفرقة، وما صلوا في البيوت؛ لأنهم علموا أن أمر الرسول ﵊ بالصلاة في البيوت هو لهذه الخشية، فما دام أن الرسول ﵊ توفي، فقد زالت الخشية؛ لذلك كانوا يصلون في المسجد، ولكن ليس وراء إمام واحد، فلما جمعهم عمر بن الخطاب وراء إمام واحد؛ فهو إنما أحيا السنة التي بدأها الرسول ﷺ في تلك الليالي الثلاث، ولكن علل الترك بهذه الخشية، فلما زالت الخشية زال حكم الترك، وأكد ذلك بالحض على الصلاة وراء الإمام صلاة القيام، حتى يكتب لهذا الذي قام وراء الإمام كأنه قام الليل كله، فإذًا عمر لم يبتدع في الدين، وحاشاه أن يفعل ذلك، ثم هل هو يبتدع ولا أحد ينكر عليه، والناس يتابعونه حتى يومنا هذا؟ هذا أبعد ما يكون عن الصواب.
إذًا: لا يجوز أن نقول بأن تجميع عمر بن الخطاب المسلمين من الصحابة الكرام والتابعين على أبي بن كعب إحداث في الدين، ثم يسكت الصحابة، وأبي بن كعب معهم، ويأتمر بأمره، ويعتقد -كما قد يقال- أنه بدعة، ولا أحد يقول له أو يلفت نظره، هذا أمر مستحيل! لذلك الصواب القول: بأن التجميع في رمضان سنة تركها الرسول لعلة، والعلة زالت، وبزوال العلة يزول المعلول وهو حكم الترك، زال هذا بوفاة الرسول ﷺ.
والقول: بأن السنة فقط ثلاثة أيام، هذا لا يقوله عالم في الدنيا إطلاقًا، بمعنى أنه في كل رمضان يقوم الواحد ويصلي ثلاثة أيام في المسجد فقط، وبعد ذلك يصلي في البيت، هذا لا أحد يقوله.
السائل: لماذا -بارك الله فيك- عمر لم يصلِّ بالقوم، ولا صلى وراءهم، ولكنه استمع حديث رسول الله ﷺ: (من صلى مع الإمام صلاة العشاء، ثم أقام معه وصلى خلف الإمام صلاة القيام كتب له قيام ليلة)، فـ عمر ﵁ أقام مع أبي بن كعب، ولا صلى بهم هو، وما جمع القوم إلا لما رآهم مختلفين، كما رأى رسول الله ﷺ الناس يجتمعون فخشي أن تفرض عليهم، فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى القوم قد اختلفوا في الصلاة فأناس يصلون هنا، وأناس يصلون هنا؛ جمعهم لهذه العلة ولكن لم يصل معهم، ولم يصل بهم، ما أتى أمر الرسول فصلى مع الإمام حتى يكتب له الأجر، ولم يصل بالقوم.
الشيخ: عمر لم يصلِّ؛ لأنه يتحسس أحوال المسلمين، ويفتش عن أمورهم، فما هو فيه أفضل من أن يشارك الناس في هذه الصلاة، المهم أن هذه الصلاة التي أحياها عمر ليست بدعة، ولا يجوز لمسلم أن يسميها بدعة، حتى لو أطلق عليها أنها بدعة حسنة، فكيف نقول بأن هذه بدعة ضلالة؟! وعمر بن الخطاب أمر بها والصحابة استجابوا لها، وعمل المسلمون بها حتى يومنا هذا، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] .
28 / 6