Durūs lil-Shaykh al-Albānī
دروس للشيخ الألباني
شرح حديث: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهن)
السؤال
نرجو توضيح الحديث المنسوخ: (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) بحديث النهر والدرن.
فتوضيحه بارك الله فيك>
الجواب
بارك الله فيك، إن الله ﷿ يتفضل على عباده بما يشاء، والحديث الأول يصرح بأن الصلاة تكفر الذنوب التي كانت قبلها، وكان ذلك التكفير مشروطًا بأن يجتنب المصلي للكبائر، حيث قال: «ما اجتنبت الكبائر) أي: ما دام المصلي يجتنب الكبائر فالصلاة تكفر الذنوب التي بينها وبين الصلاة الأخرى.
لو كان هذا الحديث وحده لم يجز لنا أن نزيد عليه، لكن إذا زاد الله ﷿ على عباده في الفضل فنقول: حمدًا لله حيث أنعم على عباده بأجر أكبر من ذي قبل.
وهذا له أمثلة كثيرة في السنة؛ بأن الله ﷿ يزيد عباده فضلًا، وأجرًا، وتخفيفًا، ونحو ذلك، هناك حديثان فيما يتعلق بصلاة الجماعة: أحدهما يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وحديث آخر يقول: (بسبع وعشرين درجة) فلا تخالف بين هذا وذاك؛ لأن الأجر الأقل يدخل في الأجر الأكثر، والذي ينبغي أن نعتقده أن فضيلة صلاة الجماعة هي بسبع وعشرين درجة وليس فقط بخمس وعشرين؛ لأن الزيادة قد ثبتت في الحديث الصحيح.
مثلًا: هناك الآية الكريمة في خاتمة سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٥-٢٨٦] إلى آخر الآيات الواردة في خاتمة السورة، الشاهد: أن الله ﷿ في هذه الآية أو لعلي سبقتها وما تلفظت بها وهي: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] الشاهد: أن الله ﷿ أنزل هذه الآية أول ما أنزلها، وفيه التنصيف بأن الله ﷿ يحاسب الناس على ما يظهرون، وعلى ما يخفون في صدورهم، ثم إذا حاسبهم فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء.
لما نزلت هذه الآية جاءت طائفة من أصحاب النبي ﵌ مهتمين بحكم هذه الآية؛ لأنه في الحقيقة إذا تصورتموها أي: لو بقي حكمها لما نجا من الحساب والعذاب إلا القليل من العباد؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فكم وكم من وساوس تدور في أذهان الناس وتستقر في صدورهم، ثم الله ﷿ في هذه الآية سيحاسبهم عليها، فكبر وعظم هذا الحكم على أصحاب الرسول ﵊، فجاءوا جثيًا وجلسوا على الركب وقالوا: (يا رسول الله! هانحن أُمرنا بالصلاة وصلينا، وبالصوم فصمنا، وبسائر الأحكام فقمنا، أما أن يحاسبنا الله ﷿ على ما في صدورنا فهذا مما لا طاقة لنا به، فقال ﵊: أتريدون أن تقولوا كما قال قوم موسى لموسى: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]؟ قولوا: سمعنا وأطعنا، فأخذوا يقولونها بألسنتهم حتى ذلت وخضعت لها قلوبهم، فأنزل الله ﷿ الآية الناسخة لهذا الحكم الشديد: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ [البقرة:٢٨٦]) أي: علمت، فرفعت المؤاخذة على ما في النفوس، هذه المؤاخذة التي ذكرت في الآية السابقة، ثم جاء حديث الرسول ﵇ مؤكدًا لاستقرار الحكم على عدم المؤاخذة بما في النفوس، فقال ﷺ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به) فما في النفوس لا مؤاخذة عليه.
هذا مثال من أمثلة كثيرة، إذا عرفنا هذا رجعنا إلى الجواب مباشرة عن السؤال فنقول: كان الحكم السابق في الحديث الأول أن الصلوات مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر، ثم جاء الحديث بل أحاديث كثيرة وكثيرة جدًا تؤكد أن الصلوات المفروضة تكفر الذنوب حتى الكبائر، وذلك هو قوله ﵊ في الحديث الثاني الذي أشرت إليه في سؤالك وهو: (أرأيتم لو أن نهرًا أمام دار أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، أترونه يبقى على بدنه من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يكفر الله بهن الخطايا كلها) .
وواضح جدًا أن هذا الحديث لا يقبل التأويل المعروف عند العلماء بعامة، حيث يقولون: إن العبادات التي جاءت النصوص تترى بأنها مكفرات للذنوب، إنما تكفر الصغائر دون الكبائر.
هذا القول لا نتردد في التصريح بأنه قول باطل؛ لأنه ينافي نصوصًا كثيرة وكثيرة جدًا، هذا النص أحدها؛ لأن هذا المثل الذي ضربه الرسول ﵇ رجل قذر وسخ، فإذا انغمس كل يوم في نهر جارٍ وترى هل الأوساخ الكبيرة تبقى والصغيرة هي التي تمحى؟ وإذا كان يبقى هناك شيء فعلى العكس، تذهب الأقذار الكبيرة وتبقى الصغيرة، فهذا المثال الذي ضربه الرسول ﵇ يؤكد تمامًا أن الصلوات مكفرات للذنوب كلها.
كذلك -مثلًا- الحديث المتعلق بالحج، وبعضكم قد جاء من الحج سائلًا المولى ﷾ أن يكون قد شملهم قوله ﷺ: (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، فهل من إنسان يفهم أن الوليد حينما يسقط من بطن أمه يسقط ممتلئًا بالذنوب الكبائر دون الصغائر، أم التشبيه هنا من أبدع ما يكون أنه نظيف من كل الذنوب كبيرها وصغيرها؟ والأحاديث في هذه القضية كثيرة وكثيرة جدًا، وللحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ رسالة خاصة في الخصال المكفرة، من أراد التوسع فيها رجع إليها.
لكني أريد أن أنبه إلى شيئين اثنين: الشيء الأول: أنه يؤكد أن هذه المكفرات هي مكفرات للكبائر؛ ذلك أن المكفرات للصغائر منصوص في القرآن الكريم السبب الذي يكفر الصغائر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فإذًا: اجتناب الكبائر نفسها هي تذهب بالصغائر وتكفرها، فلا بد أن يكون لمثل هذه العبادات كالصلاة والحج ونحو ذلك كرمضان، لا بد أن يكون لها فعل آخر أكثر من فعل اجتناب الكبائر، فاجتناب الكبائر يكفر الصغائر، والإتيان بالفرائض ماذا يفعل؟ أيضًا يكفر الصغائر، فالصغائر ممحوة باجتناب الكبائر، فهذا يؤكد بأن الأحاديث السابقة هي على ظاهرها.
هذا هو الأمر الأول من الأمرين.
أما الأمر الثاني والأخير: أن كثيرًا من الناس قد يتوهمون أن القول: بأن هذه العبادات كالصلاة والصيام تكفر الكبائر -أيضًا- أن هذا يكون حاملًا للناس بأن يتساهلوا وأن يواقعوا الكبائر؛ أن يسرقوا، وأن يزنوا، وأن يشربوا الخمر بدعوى أن الصلوات -مثلًا- تكفر الكبائر، فنحن نقول الآن لكي تفهم المسألة من هذه الزاوية جيدًا: نذكر أن الصلاة التي تكفر الكبائر لا يمكننا أن نقول هي صلاتنا نحن، وهذه حقيقة يجب أن نعرفها؛ حتى ننجو من التورط في هذا الترغيب الكبير الذي جاء ذكره في هذه الأحاديث، وكما يقولون عندنا في سوريا: (نحط رجلينا بمي باردة) .
فنحن نصلي كل يوم الصلوات الخمس، فمهما فعلنا من كبائر فإذًا هي مكفرة بصلواتنا هذه.
نقول: من الذي يستطيع أن يقول بأنه يصلي الصلاة الكاملة؟ لأن الصلاة الكاملة هي التي لها هذه الآثار الطيبة، والرسول ﷺ يقول في الحديث المعروف: (إن الرجل ليصلي الصلاة وما يكتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها.
إلى أن قال ﵊: ربعها، نصفها) إذًا: لا نستطيع أن نقول: إن هناك صلاة كاملة حتى نقول: إن هذه الصلوات التي نصليها نحن هي مكفرات للكبائر، كل ما نستطيع أن نقول: إننا نأمل بأن نصلي وأن يغفر الله لنا بهذه الصلوات ما شاء من الذنوب؛ سواء كانت من الكبائر أو الصغائر.
هذا ما أردت أن أبينه في نهاية الجواب عن هذا السؤال.
29 / 7