Durūs liʾl-Shaykh ʿAbd al-Raḥmān al-Maḥmūd
دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود
حقيقة التوكل ومعناه عند السلف
التوكل على الله معناه باختصار: أن يعتمد العبد على الله وحده في جميع أمور فيما يرغب فيه من الحاجات، وفيما يحذره مما يخافه، وفيما يفعله تقربًا إلى الله ﷾، فنعتمد على الله ﷾ في هذه الأمور كلها مع فعل الأسباب التي أذن الله ﷾ بها، فمثلًا: في الصلاة يتوكل على الله في أن يعينه على القيام بهذه الصلوات الخمس بأركانها وشروطها وأوقاتها، وهو مع ذلك يفعل السبب، فلا يجلس في بيته ويقول: توكلت على الله في الصلاة وإنما يذهب ليتوضأ، ويذهب ليبحث عن الجماعة ليصلي معهم، ويبحث عما يوقظه لصلاة الفجر، فيفعل الأسباب ويتوكل على الله ﷾ في أموره كلها، ومن ثم فلا بد في باب التوكل على الله ﷾ من أمرين، ولا بد أن يجتمع هذان الأمران: أحدهما: الاعتماد على الله اعتمادًا حقيقيًا خالصًا، فتعتمد على الله وحده في أمورك كلها.
الأمر الثاني: أن تفعل الأسباب التي أذن الله ﷾ بها.
ومن اعتمد على أمر واحد من هذين دون الآخر فقد وقع إما في الانحراف وإما في نقص العقل، فلو أن إنسانًا توكل على الله دون أن يفعل سببًا لقيل: هذا ناقص العقل.
لأنه لا يمكن أن يتم ما يريده الإنسان إلا بفعل الأسباب التي أمر الله ﷾ بها.
وكذلك -أيضًا- لو أن إنسانًا اعتمد على الأسباب وحدها دون أن يتوكل على الله وحده لربما كان ممن دخل في الشرك والعياذ بالله؛ لأنه اعتمد على الأسباب وحدها، والتوكل على الله ﷾ فسره بعض العلماء بعدة تفاسير تدل على بعض معانيه: فالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: التوكل عمل القلب.
فعمل القلب هو التوكل، ولا شك أنه من أعظم أعمال القلوب، وبعض العلماء فسر التوكل على الله بالرضا، أن يرضى الإنسان بأمر الله ﷾ ويسلم لله ﵎ أموره كلها، وإذا سلم أموره كلها اعتمد على الله ﷾ سواء جاءت الأسباب بما يحبه أو بما لا يحبه، فيرضى بما قدر الله ﷾ له، ولذلك سئل يحيى بن معاذ فقيل له: متى يكون الرجل متوكلًا؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلًا.
وبعضهم قال: إن التوكل هو التعلق بالله في كل حال.
وهذه مسألة مهمة، فيتعلق بربه ﵎ في كل أحواله، إن جاء هـ المال والشرف لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله.
إن ابتلي بالصبر والمرض لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله، وهكذا في أحواله وأموره كلها، حتى إن بعضهم قال: إن التوكل معناه: أن يستوي عندك الإقلال والإكثار.
أن يستوي عندك الغنى والفقر، وكيف يستويان؟ يستويان حينما تعلم أن الله هو المدبر الرازق، وحينما تعلم أن الله ﷾ هو الذي بيده الأمر كله، وهو الله ﷾ المتصرف بعباده كما يشاء، فإذا ما صرت غنيًا أو فقيرًا لا تتغير أحوالك ومعاملتك لربك ﵎.
13 / 3