Durūs liʾl-Shaykh ʿAbd al-Raḥmān al-Maḥmūd
دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود
انحلال العلاقات الدنيوية يوم القيامة
ومن الأهوال -أيها الأخ في الله- هول عجيب، هول إذا عشنا صورة منه في الدنيا تكاد الأفئدة تتقطع، ألا وهو علاقة القرابة والأحبة، تأمل أحوال الناس في هذه الرابطة الدنيوية، كيف أن الأم تموت حسرة وكمدًا خوفًا على وليدها، والأب كذلك، والزوج والزوجة والأخ والأخت، فلاحظ معي -أيها الأخ- في هذه الدنيا كيف أن الإنسان يقدم لمن يعز عليه نفسه فداءً، وهذا موجود والحمد لله.
فالأم دائمًا دعاؤها أن لا تذوق يوم وفاة ولدها، أن تموت هي قبله فتفديه بنفسها، والأب والزوج والزوجة، لكن إذا جاء يوم القيامة فالهول فظيع جدًا أيها الأخ في الله، فالأنساب تتقطع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، بل والله -أيها الأخ- إن هول ذلك اليوم لأشد من ذلك، ليته اقتصر على تقطع الأنساب في ذلك اليوم، إنه أعظم هولًا وأفظع، إن من صور هول ذلك اليوم أن المجرم يود لو يفتدي من عذاب جهنم بأحبته، فهل تصورت ذلك اليوم الذي يتمنى أن ينجو فيه وأن يقذف بأمه وأبيه وصاحبته في نار جهنم! قال الله ﵎: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يعني أنهم في ذلك اليوم يرون الحقائق (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١١ - ١٦]، ولا يمكن أن يفتدى.
ويجوز أن يفتدي الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا، لكن أن يفدي المجرم نفسه بأحبته فهذا والله هول شديد، يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس:٥٤]، إذًا لماذا تظلم اليوم من أجل الأرض والمال ومتاع الدنيا الزائل، ألا تتذكر -يا عبد الله- أنك في يوم القيامة لا تتمنى قليلًا من المال لتفتدي به، وإنما تتمنى ما في الأرض جميعًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨] فالظالمون والكافرون يتمنى أحدهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدي به، لكن أنى له ذلك؟ ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨].
أما الكافر فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١]، ثم هأنت تبيع دينك لأجل عرض من الدنيا! روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ الله عليه وسلم قال: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم.
فيقال: كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك، سألتك أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا الشرك).
14 / 11