367
تحقق الأمن والأمان
الأمر الثاني: وهو الأثر الكبير في حياة الأمة حينما تعتصم بعقيدتها، إنه الأمن، وما أدراكم ما الأمن؟ قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، هكذا فسره الرسول ﷺ، يتحقق الأمن حينما تخلص الأمة عبوديتها لله وحده لا شريك له، وحين تتخلص من عبودية الشرق أو الغرب، وحين تتخلص من عبودية الكرة والتمثيلية، وحين تتخلص من عبودية المادة، وحين تتخلص من عبودية الجن والسحرة والصوفية والقبورية، وحين تتخلص من عبودية العلمنة التي أصبحت تعيش بيننا ليلًا ونهارًا، إذا تخلصت من العبودية لتلك الآراء والأفكار، أتاها الأمن بإذن الواحد القهار، ونقف عند تجربة تتعلق بالأمن.
أيها الإخوة المؤمنون! كانت قريش في الجاهلية قبيلة من القبائل تعيش مثل غيرها، ولكن جرى لها قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين عامًا قضية وقصة مشهورة، ألا وهي أن أحد الكفار أراد أن يهدم الكعبة التي بناها إبراهيم، وكان يدين بدين النصرانية، وهو أبرهة، فجاء إلى مكة ليهدم الكعبة، وكانت قريش تعبد الأصنام، ولما جاء أبرهة بفيلته لم تستطع قريش مقاومته؛ لأنها لم تكن صاحبة عقيدة، بل فروا إلى الجبال وهم العرب الشجعان، انهزامية كما ينهزم العرب اليوم أمام أحفاد القردة والخنازير؛ لأنهم يرفعون راية العروبة ولا يرفعون راية العقيدة، وفرت قريش إلى الجبال، ولكن الله ﷾ كان يريد لهذه الجزيرة أمرًا آخر، فجاء أبرهة، وقبيل دخوله بجيشه مكة أرسل الله عليه طيرًا أبابيل من السماء تحمل حجارة من سجيل فقضت عليه، فكيف انتهت النتيجة أيها الإخوة الأحباب؟! انتهت النتيجة بأن أبرهة هزم شر هزيمة، هزيمة نكراء، هزيمة تحدثت عنها الأمم في مشارق الأرض ومغاربها في ذلك الوقت، لكن على يد من؟ ليست هزيمته على يد قريش، وإنما جاء النصر من الله ﷾، ووقع أن قريشًا كسبت القضية لأمر أراده الله ﷾، فتحولت مكة وما حولها إلى أمن، حتى أصبح الإنسان في أي مكان سواء كان لصًا أو رئيس قبيلة تريد أن تغير على غيرها، سواء كان ذا قوة أو ليس ذا قوة؛ لا يفكر أبدًا بأن يغزو قريشًا ولا أن يتعرض لها.
أيها الإخوة في الله! قفوا عند هذه القضية فإنها مهمة، أمن الله قريشًا، بل أمن قوافلهم التي تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب في رحلة الشتاء والصيف، ولا يفكر أحد أن يعتدي عليها، لماذا؟ لأن قريشًا نصرت ذلك النصر العجيب، حين أرسل الله على أعدائها طيرًا أبابيل، ولهذا لما بعث النبي ﷺ، وأراد أن يجهر بالدعوة؛ قال كلمته المشهورة وقد صعد على الصفا: (يا معشر قريش! لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟! قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).
قد يسأل سائل ويقول: إن هذا قياس مع الفارق، الرسول يقول: لو أخبرتكم أن جيشًا خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم هل تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ فاحتج عليهم بهذا أنه رسول من عند الله، إذًا: هو قياس مع الفارق، فمن الصعب أن يقول قائل: يا محمد! لو أخبرتنا أن هناك جيشًا لصدقناك، لكن أن تكون رسول الله فلا! لكن القضية هي متعلقة بقريش، فالأمن تحول عند قريش إلى أمن شامل حتى أصبح من المستحيلات، بل من عاشر عاشر المستحيلات أن يفكر في غزو مكة، فكأن الرسول يقول لهم: يا قريش! أنتم تعلمون أن هذا من المستحيل أن يأتي أحد ليغير عليكم، لكن ناشدتكم الله لو قلت: إن هناك جيشًا -مع أنه مستحيل- أتصدقوني؟ قالوا: لو أخبرنا واحد غيرك لكذبناه، لكن لأنك محمدٌ الأمين فلا نكذبك، فقال لهم: إذا صدقتموني في هذا الأمر البعيد المستحيل لو أخبرتكم به؛ فصدقوني في أمر آخر وهو أني رسول رب العالمين، جئتكم بين يدي عذاب شديد، وكانت الحجة قاطعة، ولكن هل استجابت قريش لرسول الله ﷺ، وقد أنعم الله عليها بالأمن؟ لا والله.
إن من المؤسف حقًا أن قريشًا لم تستجب، ولكنها احتجت بحجة غريبة جدًا فقالوا للرسول ﷺ ما حكاه الله عنهم: ﴿َقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، قالوا: يا محمد! إن نؤمن بك تهجم علينا القبائل وتقاتلنا، انتبهوا إلى الحجة! إن نتبعك يا محمد تهجم علينا القبائل عن يميننا وعن شمائلنا ومن أمامنا ومن خلفنا، وتقتلنا وتزيل هذا الأمن! فقال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧]، كيف تحتجون بهذه الحجة؟ من الذي مكنكم حتى أصبحتم آمنين؟ إنه الله الذي أنزل على قلب محمد هذا القرآن، فلماذا تعكسون القضية؟ تعالوا -أيها الإخوة- إلى واقعنا اليوم، واقعنا اليوم هو نفس واقع قريش، إذا دعا الداعية وقال: أيها الناس! التزموا العقيدة، طبقوا الشريعة، قالوا: الغرب يأبى علينا، ولا يريدوننا أن نطبق العقيدة، إنهم سيهجمون علينا وسيقاتلوننا وسيزيلون ملكنا وسيصنعون وسيصنعون، سبحان الله هذه هي حجة قريش: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، وهؤلاء يقولون: إن نطبق الشريعة يغضب علينا الغرب، ويهجم علينا، ويقطع عنا المصالح! قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، ونحن نقول: أولم ينعم الله عليكم بالأمن؟ إن الحفاظ على الأمن لا يكون ولن يكون إلا بالحفاظ على هذه العقيدة، وعلى ما انبثق منها من شريعة، وهذه حقيقة لا شك فيها.

17 / 18