244
مدار وصية النبي ﷺ لابن عباس
فهذا مدار الوصية: أن تعلم أن الله ﷿ هو رب الناس، وهو المتصرف في شئون الناس كيف يشاء، وأنه مالك الملك ﷿، وأن مقادير الخلائق بيد الله ﷿، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧].
لو اجتمع الخلق كلهم على أن يجلبوا لك نفعًا لم يقدره الله ﷿ لك لا يقدرون على ذلك، وإن اجتمع الخلق كلهم على أن يمنعوا عنك نفعًا أراده الله ﷿ بك لا يقدرون على ذلك.
قال ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] فالأمر كله بيد الله ﷿، يقول النبي ﷺ: (إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها).
ويقول ﷺ: (اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير) أي: إذا كان لك مصلحة عند أحد من الخلق فاطلب ذلك بعزة النفس، لأن الأمر ليس بيد هذا المخلوق، بل الأمر بيد خالق الملك ومالك الملك ﷿.
قال ﷺ: (اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير) فإذا وثق العبد بذلك كان أعز الناس، وكان أغنى الناس بالله ﷿، وكان أقوى الناس بالله ﷿، ومع ذلك يحافظ على حدود الله ﷿ وحقوقه وأوامره ونواهيه، من كان كذلك أتاه النفع من حيث يخاف أن يحصل للعبد الضر، كما روي أن سفينة مولى رسول الله ﷺ انكسرت به مركب فوقع في جزيرة ولم يعرف الطريق، فرأى أسدًا فقال: يا أبا الحارث! أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ، دلني على الطريق.
قالوا: فأخذ الأسد يهمهم ويشير أمامه حتى دله على الطريق، ثم همهم له وانصرف كأنه يودعه.
فآتاه النفع والخير ممن يخاف منه الضر.
كذلك من ضيع تقوى الله ﷿ فإنه يأتيه الضر ويأتيه المشقة والعنت ممن يرجو منه النفع، كما قال بعضهم: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
أي: أن الدابة التي تحمله، والزوجة التي تخدمه وتقضي له شئونه يأتيه النكد وتأتيه المشقة ممن يرجو منه النفع وممن يرجو منه أن يخدمه ويسهل له أموره.
فمن عرف أن الأمر بيد الله انقطع عن الخلق إلى الحق وتعلق قلبه بالله ﷿ لا يرجو إلا إياه ولا يخاف إلا من الله، ويحافظ على حدود الله، ويسأل الله ﷿، ويستعين بالله ﷿.
قال ﷺ: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) وهذه كناية من أعظم الكنايات تدل على تقدم المقادير، كما قال النبي ﷺ: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).
كتب الله ﷿ المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكتب متى تولد، وكم تعيش في الدنيا، وكم ترزق في الدنيا، وعملك في الدنيا وسعيك في الدنيا، وكم توفق إلى طاعة الله، وكم تهمل فتعمل بمعصية الله ﷿، كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله ﷿ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال النبي ﷺ: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة) لأن علم الله ﷿ أحاط بالماضي وأحاط بالحاضر وأحاط بالمستقبل، فعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله ﷿ علم كل شيء، وقدر كل شيء، وكتب كل شيء من أزمنة متطاولة، فرفعت الأقلام أي: كتبت بها مقادير الخلائق، ومن طول المدة جفت الصحف، فكيف يرجو العبد غير الله؟ وكيف يؤمل في غير الله؟ وكيف يخاف من غير الله ﷿؟ من علم ذلك انقطع إلى الله ﷿ وعمل بطاعة الله ﷿ وكان مع الله ﷿.
يقول ﵌: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

29 / 5