Al-mabʿath waʾl-maghāzī
المبعث والمغازي
خرج سلمة بن الأكوع ومعه غلام له يقال له رباح مع الإبل، فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل راعيها وجعل يطردها في أناس معه، فقال سلمة لرباح اركب هذا الفرس وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد أغير على سرحه، ثم قام سلمة على تل وجعل وجهه قبل المدينة ثم نادى ثلاث مرات -وكان صيتا-: يا صباحاه، ثم أتبع القوم، معه سيفه ونبله فجعل يرميهم فإذا كر عليه الفارس جلس له في أصل شجرة ثم رماه ولا يظفر بفارس إلا عقر فرسه فجعل يرمي ويقول: أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. فلحق رجلا على رحله فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ثم قال: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، فإذا كان الشجر رشقهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علا الجبل ورماهم بالحجارة، فما زال ذلك دأبه ودأبهم يتبعهم ويرتجز حتى ما بقي من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم شيء إلا استنقذه من أيديهم، وخلفه وراء ظهره، ثم لم يزل يرميهم حتى طرحوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون بها، فكلما ألقوا شيئا جمع سلمة عليه الحجارة، فلما امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري ممدا إليهم وهم في ثنية ضيقة، فقال لهم: ما هذا الذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البرح يعني البلاء والشدة يعنون سلمة ما فارقنا منذ سحر حتى الآن وأخذ كل شيء من أيدينا وخلفه وراءه، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى وراءه طلبا لقد ترككم فليقم إليه نفر منكم، فقام إليه نفر منهم أربعة وصعدوا في الجبل فقال لهم سلمة: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، فبينما سلمة يخاطبهم إذ نظر إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقوه يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى إثره أبو قتادة وعلى إثره المقداد الكندي، فولى المشركون مدبرين فنزل سلمة من الجبل وقال: يا أخرم احذر القوم فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، ثم أرخى عنان فرسه ولحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان فقتله عبد الرحمن وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم خرج سلمة يعدو في إثر القوم حتى ما يرى من غبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما قرب غيبوبة الشمس وقرب المشركون من شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد فأرادوا أن يشربوا منه فالتفتوا فأبصروا سلمة فصعدوا في الثنية وغربت الشمس فلحق سلمة رجلا منهم فرماه بسهم وقال: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع.
فقال الرجل: ثكلتني أمي أأكوع بكرة، قال: قلت نعم أي عدو نفسه، وكان رماه بكرة وأتبعه سهما آخر، فأثبت فيه سهمين وخلفوا فرسين فجاء بهما يسوقهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم على الماء عند ذي قرد، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفه سلمة، وهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها فقال سلمة: يا رسول الله خلني فانتخب من أصحابك مائة رجل واتبع الكفار حتى لا يبقى منهم مخبر إلا قتلته.
قال: أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟
قال: نعم والذي أكرم وجهك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فجاء رجل من غطفان فقال:
مر المشركون على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا ثم خرجوا هرابا.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إلى المدينة وجعل يقول:
خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة، فأعطى سلمة ذلك اليوم سهم الراجل والفارس جميعا.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه وراءه على العضباء، فلما كان بينهم وبين المدينة قريب وفي القوم رجل من الأنصار وكان لا يسبق فجعل ينادي: هل من مسابق؟ ألا رجل يسابق؟
فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل.
Page 569