إلى أصل منارة مسجده فيقف بين يدية: على بن المديني وسليمان بن داود وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، يسألون عن الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد: اجلس ولا يجلسون هيبة وإعظامًا.
«عن شعبه عن قتادة عن أنس» هذا هو السيد الجليل أنس بن مالك الأنصاري البخاري البصري، خادم رسول الله ﷺ وكان للنبي ﷺ خدام كثيرون كربيعه بن كعب صاحب وضوءه، وابن مسعود حامل نعليه، وعقبة بن عامر يقود بغلته، وأيمن بن أم أيمن صاحب مطهرته وغيرهم، ولكن أنس كان ألزمهم لرسول لله ﷺ كما قال العراقي، فأنس ألزمهم لخدمته ﷺ، وأمه هي: أم سليم بنت ملحان.
ولما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا لم يبق أحد بالمدينة إلا وأهدى لرسول الله ﷺ هدية قال: وكانت والدتي امرأة أرملة فقيرة، وكان عمري سبع سنين فأخذتني أمي وذهبت بي إلى باب مسجد رسول الله ﷺ ونادت السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة أنارت الظلمات وانكشف بك الغمام، لم يبق أحد بالمدينة إلا وأهدى إليك هدية، وأنا امرأة ضعيفة ما لي شيء أحب ولا أعز علي من ولدي وقد أهديته لك يا رسول الله، بالذي بعثك بالحق نبيًا اقبل هديتي فقال رسول الله ﷺ: «قد قبلناها، وما وقع هدية أقرب إلى قلبي وأحب إليَّ من هديتك يا أمة الله» فقربني رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط لشيء صنعته لم صنعته ولا شيء تركته لم تركته، بل كان يقول: «لو قضى الله بشيء لكان» (١) رواه الترمذي وغيره.
ودعا له رسول الله ﷺ بطول العمر وكثرة الأموال والأولاد والمغفرة، فقد روى عنه أنه قال: جاءت بي أمي إلى رسول الله ﷺ وقالت يا رسول خادمك أنس أدع الله له، فوضع يده المباركة على رأسي وقال: «بارك الله لك في عمرك ونسلك ومالك وغفر لك» فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ فيما دعا له.
أما في طول عمره فإنه عاش كما قيل: مائة سنة وزيادة، ونقل عن أنه قال: ولقد بقيت حتى سئمت الحياة.
وأما في النسل فقد رزقه الله تعالى مائة ولد قال ﵁: إن ولدي وولد ولدي
(١) أخرجه الترمذي في سننه (٤/٣٦٨، رقم ٢٠١٥) وقال: وفي الباب عن عائشة والبراء وهذا حديث حسن صحيح.
والحديث عند مسلم في الصحيح (٤/١٨٠٥، رقم ٢٣٠٩) .