النفع له من جهة النبي ﷺ الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، على أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الإشفاعات فاستحق لذلك أن تكون محبته أفرض من غيره لأن النفع الذي تأت به المحبة حاصل أكثر من غيره.
فائدة: كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانًا صحيحًا لم يخل عن محبته ﷺ غير أن الناس متفاوتون في تلك المحبة، فمنهم من أخذ منها بالحظ الأوفر كالصحابة ﵃ أجمعين لما فازوا من رؤية ذاته الشريفة، والاطلاع على معجزاته وأحواله فمحبتهم له أعظم من غيرهم.
ومن الناس من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذكره، ومحبته ﷺ أوقاته لكنه إذا ذكر ﷺ أو شيء من فضائله اهتاج لذكره واشتاق لرؤيته، يؤثر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره على أهله وماله وولده ووالده ونفسه والناس أجمعين، ثم يزول عن ذلك سرعة لغلبته شهوته وتوالي الغفلات، فهذا داخل فيمن أحبه ﷺ لكن يخاف عليه بسبب غلبته الشهوات وتوالي الغفلات، من ذهاب أصل تلك المحبة.
وقد دل الكتاب والسنة على وجوب محبته ﷺ وكثرة ثوابها وفضلها كما دل على وجوبها الحديث المذكور وقال الله تعالى؟قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ؟ [التوبة: ٢٤] .
قال القاضي عياض: فيكفي بهذه الآية حضًا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوبها وعظم خطرها واستحقاقه لها ﷺ، إذ قرع الله من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله:؟فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ؟ فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله.
وروى أنس أن رجلًا أتى للنبي ﷺ فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: «ما أعددت لها؟» فقال: ما أعددت لها من كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله قال: «أنت مع من أحببت» (١) .
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح (٣/١٣٤٩، رقم ٣٤٨٥)، ومسلم في صحيحه (٤/٢٠٣٢، رقم ٢٦٣٩) من حديث أنس بن مالك.