برئت منها إن دخل المنصور، فسقط المنصور من فوق الدآبة ومات قبل أن يدخل مكة فخرج سفيان وصلى عليه (١) .
ومن فضائله ما حكاه بعض العلماء عن محمد بن خزيمة قال: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غمًا شديدًا فبت ليلتي فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله أي مشية هذه؟ قال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال: يا أحمد هذا بقولك إن القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي كنت تدعو بها في دار الدنيا، فقلت: يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء. فقلت: وما فعل الله بك؟ قد فعل ثم قال: يا أحمد هذه الجنة فقم وادخل إليها فدخلت فإذا سفيان الثوري، وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ويقول:؟الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ؟ [الزمر: ٧٤] (٢) .
ومن فضائله ما حكاه في الروض الفائق فقال: «قيل: لما بلغ سفيان الثوري ﵁ من العمر خمسة عشر قال: لأمه يا أماه هبيني لله، فقالت: يا ولدي إنما يهدى للملوك من يصلح لهم وأنت لا تصلح لله، فاستحيا من أمه، ودخل بيتًا فأقام فيه سنتين متوجهًا إلى الله تعالى بالعبادة، فدخلت عليه أمه بعد ذلك فوجدته مجتهدًا في العبادة وعليه آثار السعادة، فقبلت بين عينيه وقالت: يا ولدي الآن قد وهبتك لله فخرج عنها وغاب عشر سنين في سياحته متلذذًا في عبادته، فاشتاق إلى أمه فزارها ليلًا، فلما طرق الباب نادته من وراء الحجاب يا سفيان من وهب لله شيئًا فلا يعود فيه، وأنا قد وهبتك لله فلا أراك إلا بين يديه، ولله در من قال:
ولا تحسبوا أني نسيت ودادكم ... وإني وإن طال الأمد لست أنساكم
قطعت لكم عهدًا قديمًا وحرمة ... ونحن على العهد الذي قد عهدناكم
ونحن على ما تعهدون من الوفا ... يودكم قلبي وبالغيب يرعاكم
ولست بناس عهدكم بعد بعدكم ... وما دام قلبي عندكم كيف ينساكم
(١) انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٧/٤١)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (٧/٢٥١) .
(٢) انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (٩/١٩٠) .