Majmūʿ rasāʾil al-Kāẓim
مجموع رسائل الكاظم
...فلما وصل كتاب الإمام يحيى بن عبدالله (ع) إلى هارون الرشيد ، زاد غمه غما ، وحرقته حرقة ، وظن أن قد انقضت مدته ، فجمع بطانته الخبيثة وشاورهم في الأمر ، فأجابه أبا البختري بحيلة خبيثة ، خلاصتها ، أن يشهد هو بصفته قاضي القضاة ، على أن يحيى بن عبدالله (ع) عبد لهارون الرشيد ، وينكر نسبه إلى فاطمة ابنة الرسول (ص) ، وأن يشهد سليمان بن فليح على عبودية يحيى (ع) ، بصفته صاحب ديوان الخراج ، وأن يبعث معهم بوجوه القوم ليعضدوا شهادتهم ، وأن يلزم الناس الشهادة ، وأن من لم يشهد ، وامتنع عن تأديتها ، حل قتله وتصفية ماله ، وأن من شهد على يحيى بن عبدالله بالعبودية ، أكرم وأسقط عنه الخراج ، فأعجبت هارون الفكرة ، بل الحيلة !! ، ووجه بأبي البختري وسليمان بن فليح ومن معهم إلى الفضل بن يحيى البرمكي ، ونفذ البرمكي ما أمره هارون وجعل جنده بعددهم الهائل يشهدون على يحيى بن عبدالله بالعبودية والرق . وهناك وفي المشرق الأقصى جمع أبو البختري فقهاء وعلماء دسينا ، وقزوين ، وزنجان، وأبهر ، وشهربرد، وهمذان، والري، ودنباوند، والرويان، وما جاورها من البلدان ، وخطب فيهم ، بأن يحيى بن عبدالله دخل الديلم ، عازما على قتال أهل الإسلام بأهل الشرك ، ويخرج يده من طاعة أمير المؤمنين ، وقد جاءت الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب ، وقد رأينا أن نشهد أنه عبد لأمير المؤمنين ، نطلب بذلك الثواب من الله ، وأن ترجع الألفة إلى المسلمين ، وقرأ عليهم كتاب هارون ، وفيه النعيم لمن أجاب ، والتوعد والتهدد لمن انحاز . فأجابه خلق من العرب والعجم في تلك البلاد ، وكان الشرفاء أكثر من الوضعاء في هذه الصفة ، وبينهم عدد كبير من الفقهاء ، فحضروا عند جستان ، وشهدوا على يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة ابنة محمد بن عبدالله صلوات الله عليه وعليهم ، بالعبودية لهارون الغوي لا الرشيد ، فصدق جستان دعواهم على يحيى بن عبدالله ، وقال ليحيى : ما وجدت غيري تخدعه بدعوتك غيري ؟!! . فقال له يحيى بن عبدالله (ع) : (( أيها الرجل إن لك عقلا وإن لم يكن لك دين [ وذلك لأن جستان لم يكن مسلما ]، فتدبر مايقول القوم، وماتقدم منهم إليك، ورده على قلبك وعقلك، واجعل عقلك حكما دون هواك؛ لو أني كنت كما قالوا ما وجهوا إليك بهذه الأموال وما أردفوها بهذه العساكر ولا بذلوا في دفعك إياي إليهم هذه الأموال، ولا جمعوا لك من ترى من وجوه الجبل وفقهائهم ومعدليهم ليشهدوا عندك بالزور، وما كان عليهم من رجل جاء إلى عدوهم، أو وليهم ينتمي إلى نسب ليس منه؟ . )) ، فلم يقتنع جستان بهذا ، ولم يسلم ليحيى بن عبدالله براءته بعد ما رأى من الشهود ، فاقترح الإمام يحيى (ع) أن يبعث من يتأكد من نسبه فيسأل أهل مكة والمدينة ، فاستطال جستان المدة ، ثم اقترح الإمام أن يبعث جستان رجالا لتبينوا كذب هؤلاء الشهود ، فاستطال جستان المدة ، فأوجس يحيى (ع) من جستان خيفة ، لما رأى ميله إلى تسليمه إليهم ، فاقترح اقتراحا ثالثا وهو أن يجمع بينه وبين هؤلاء الشهود بحضور جستان ، فأجابه جستان إلى ذلك ، فلما حضر يحيى (ع) والشهود وجستان ، جلس الإمام سلام الله عليه على كرسي وابتدأ الكلام قائلا :
((الحمدلله على ما أولنا من نعمه وأبلانا من محنه وأكرمنا بولادة نبيه، نحمده على جزيل ما أولى وجميل ما أبلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مقر بوحدانيته خاضع متواضع لربوبيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله انتخبه واصطفاه واختاره واجتباه صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، أما بعد:
Page 2