131

Manhaj al-Imām Tāj al-Dīn al-Subkī fī uṣūl al-fiqh

منهج الإمام تاج الدين السبكي في أصول الفقه

المبحث الثالث
منهجه في عرض الأقوال
إن مسائل علم الأصول منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو محل خلاف، وكتب الأصوليين منها ما يعرض للخلاف في هذه المسائل وبذلك بذكر كل الأقوال الواردة فيها أو بعضها، ومنها ما لا يتعرض لذلك بل يكتفي بذكر القول الراجح أو الصحيح فقط دون التعرض للخلاف، ومن هنا فمن يعرض للأقوال لا بد أن يعرضها وفق منهجية معينة، والتاج السبكي اتبع في طريقة عرضه للأقوال مناهج متعددة، وهذه المناهج أَمْلَتها عليه ظروف التأليف الخاصة، إذ أنه عرض للأقوال ضمن شرحيه على المختصرات [«المنهاج» و«مختصر ابن الحاجب»] كما أنه عرض لها في كتابيه «جمع الجوامع» و«منع الموانع»، لذا فإني سأعرض للمنهج في هذا المبحث ضمن محورين:-
المحور الأول: منهجه في شروح «المنهاج» و(المختصر»:-
لقد التزمَ التاج السبكي في طريقة عرضه للأقوال، في شرحيه على «المنهاج» و«المختصر» نفس طريقة أصحابها إلا أنه أضاف إليها بعض الأمور مما له علاقة بوظيفة الشراح، ومن هذه الأمور:
أولًا: التصريح بأصحاب الأقوال التي وردت في المتن مطلقة:
من المعلوم أن أصحاب المتون عندما يضعون متونهم فإنهم لا يهتمون بذكر أصحاب الأقوال كثيرًا، بقَدْر اهتمامهم بعرض هذه الأقوال كما توصلوا إليها، وأحيانًا يُشيرون إلى أصحابها وأخرى يشيرون إلى أشهر من عرف بها وهو الغالب، وأحيانًا أخرى لا يشيرون أصلا، ويأتي الشراح فيحقِّقون نسبةَ الأقوال إلى أصحابها، ويضيفون أقوالًا أخرى، وقائلين آخرين بالإضافة إلى رد الأقوال المطلقة إلى أصحابها وقد اتبع التاج السبكي في شرحيه كل ذلك (١).
ومن الشواهد الدالة على تصريحه بأصحاب الأقوال:
١ - قوله في شرح قول البيضاوي: «الأمرُ بعد التحريم للوجوب، وقيل للإباحة» (٢) ناسبًا هذه الأقوال إلى أصحابها: «الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب [صيغة الأمر]، وهو اختيار الإمام وأتباعه، وبه قالت المعتزلة، وصحَّحه الشيخ أبو اسحق الشيرازي في «شرح اللمع»، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في «القواطع» ... والثاني: أنها تكون للإباحة، ورجَّحه ابن الحاجب، ونقَله ابنُ برهان في «وجيزه» عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، وابن التلمساني في «شرح المعالم» عن نصَّ الشافعي ...» (٣)
وبذلك ترى كيف رد التاج السبكي الأقوال التي أطلقها البيضاوي إلى أصحابها.

(١) إضافته لأقوال أخرى مرت أمثلة عليها في مباحث سابقة من هذه الرسالة، وأما تحقيق نسبة القول فسيأتي في النقطة الثالثة من هذا المبحث.
(٢) البيضاوي، منهاج الوصول ص ٧١
(٣) التاج السبكي، الإبهاج (٢/ ٤٣ - ٤٤)

1 / 134