191

Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya

مقالات موقع الدرر السنية

ثانيا: إلحاح آيات الكتاب العزيز على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللافت أن التكليف بهذه الشعيرة لم يأت على هيئة أمر بها في القرآن الكريم، وإنما في معرض سرد صفات المؤمنين سوى آية واحدة وهي قوله تعالى:

{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران:104] وهي عند التأمل لا تخرج عن هذه القاعدة كثيرا إذ هي في سياق صفات المؤمنين أيضا.

أما سائر الآيات فهي واضحة في الدلالة على ما بينت، انظر مثلا قوله سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} [آل عمران:110]

وقوله سبحانه {يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} [آل عمران:114]

وقوله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة:71]

وقوله سبحانه: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112]

وهذا الأسلوب القرآني في تقديري والله تعالى أعلم أمكن في التعبير عن مكانة هذه الشعيرة إذ إن إيرادها في مساق صفات أهل الإيمان مشعر بأنها من لوازمه.

كما أن الموصوف بها ليس فئة من المؤمنين دون فئة بل يستوي في وجوب الاتصاف بها المؤمن الحاكم مع المؤمن المحكوم والرجل والمرأة والصغير والكبير والحر والعبد.

بل حتى قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} [الحج: 41] ليس خاصا بالحكام دون المحكومين، بل هو وصف لكل مؤمن، وإن كانت الآية تشير بلفظ التمكين إلى أن المسؤلية في جانب الشعائر المذكورة ترتفع بارتفاع القدر الذي آتاه الله العبد من التمكين في هذه الأرض، فليست مسؤولية المحكوم عن هذه الشعيرة بالقدر نفسه الذي للحاكم.

وتحميل الأمة عبء هذه الشعيرة لتكون مسؤولية الحفاظ على الدين بما يحمله وما يرشد إليه وما ينتجه تفاعل الإنسان معه من قيم هي مسؤوليتها بأسرها.

وهذا عدل إلهي عظيم منه سبحانه وتعالى حيث إن العاقبة الدنيوية للتفريط في منهج الله عز وجل تطال الجميع لا تفرق بين حاكم ومحكوم ولا رفيع ووضيع.

{فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام:44]

وجميع الآيات التي تذكر بعاقبة التخلي عن أمر الله نجد الخطاب فيها عاما للمجتمع بأسره، لأن التقصير حادث من الجميع ولا تسأل عنه فئة دون أخرى.

Page 192