214

Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya

مقالات موقع الدرر السنية

قيادة المرأة ... حتى تفهم

عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي

السبت25جمادى الآخرة1432ه

لا يمكن أن تفهم مسألة على وجه تبرأ بها الذمة إلا بفهم أصولها التي تبنى عليها، فإذا صحت الأصول صحت النتائج، أو على الأقل تقارب الفهم فيها، وهذا في كل مسألة منظورة في الدين والدنيا، كثير من المسائل تدور في فلك الأذهان، وفي الصحف وفي المنتديات، ويتقاذف الناس الحديث حول فرع ويبحثون عن صحته، والأصل الذي يبنى عليه مختل وغير مسلم بينهم، ومن ذلك الحديث عن (قيادة المرأة للسيارة)، والحديث عن هذه القضية متعلق بالآثار واللوازم، وفي غالبها تتصل ب (الحجاب والسفور والاختلاط والخلوة والتحرش والخروج بلا حاجة مما يفضي إلى توسع في فضول غير محمود)، وكل من يقول بجواز القيادة للمرأة، فلا بد أن يحمل في قلبه أحد الإيمانين التاليين أو كليهما:

أولا: لا يقر بوجود هذه الآثار ويضعف عنده اليقين من وقوعها، ويدعي أنها وهم يصنع، وهذا الإيمان إما أن يكون رسخ بدراسة، أو هو وهم أيضا فيقابل حقيقة غابت عنه بوهم، والحقائق في الأذهان يحول دون استقرارها شيء لا يعد من الأسباب.

ثانيا: لا يقر أن هذه آثار محرمة أصلا، أو تكون هذه الآثار ضعيفة الأثر في قلبه، إما لغفلة أو تغافل عن حكمها، أو لعدم مبالات بها، أو لكثرة المخالطة لها أو أنه يعيش وهنا فكريا، دفعه إليه ضغط الواقع، أو الهروب من الانضمام إلى طائفة المحرمين، لأنه يستحضر بضعة منهم انشغل ذهنه بالبراءة منهم فشغله ذلك عن إبراء ذمته بالمسألة التي يسأل يوم القيامة عن الفصل فيها بعينها.

وبإرجاع المسائل إلى أصل صحيح، يتفق أو يختلف عليه، منهج قرآني وعقلي مسلم، فحينما قال إبراهيم عليه السلام لربه: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: 260] لم يجبه الله سبحانه حتى سأله عن أصل ما يبني عليه هذا الطلب، والله أعلم به، فقال: {قال أولم تؤمن} سؤال عن الإيمان بقدرته سبحانه، قال: {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}، وذلك لأن إجابة طلب إبراهيم تتباين حسب اختلاف الإقرار بالأصل.

وكل من يقول إن الحجاب عادة والاختلاط جائز، والعلاقة بين الرجل والمرأة كالعلاقة بين الرجل والرجل سواء، أو تجاوز هذه المدرسة ولم يؤمن بأن الحكم لله في حياة الناس، فهذا لا ينبغي أن تبحث معه مسألة فرعية وهو لا يؤمن بأصلها الذي نشأ لأجله المنع، والخلاف معه كالخلاف على شجرة هل ما تنبته تمر أو عنب، قبل الاتفاق على أصل الشجرة ماهي، وكل من يهون في قلبه أمر الحجاب والاختلاط والخلوة، فهذا وإن سكت فهو ساكت على موافقة في مسألتنا، ويمنعه من القول الخمول وطلب السلامة، وبهذا نعلم أن المجتمع سعي في السنوات الماضية إلى إخلال الأصول لديه لتضعف اللوازم والآثار في باطنه، وليس من العبث الفكري غير المدروس الترويج للاختلاط ومحاولة تطبيع السفور، وتشريعه بواسطة فقهاء وكتاب، ومنحهم أموالا طائلة في الخفاء، لأن الأصل إذا اختل واضطرب اختل الفرع ولان، وعلماء الطبيعة يعرفون الزلازل في جوف الأرض بلين سطحها.

من فكر وسعى إلى ابتعاث النساء إلى الخارج، وقام بتشريع الاختلاط، فهو يعلم يقينا أنه يعبد طريقا ممتدا سيشق السالكون له باختيارهم عشرات الطرق المتفرعة عنه بداهة بلا إملاء من أحد، فهو وإن تعب في تأسيس أصل مغفول عن آثاره، لكنه أهون من أن يدوم قرونا يؤسس في فرع واحد ينقض كل مرة.

Page 215