Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya
مقالات موقع الدرر السنية
ولذلك، تجد أن الأعداد الهائلة للهنود الحمر قد اختفت، بسبب الإبادات الجماعية أو بسبب نشر الأمراض بينهم بطريقة مدروسة ومتعمدة وموثقة تاريخيا. ومع أنه لم يتبق إلا القليل منهم في أمريكا، وطنهم الأصلي، فإنهم اليوم يعانون الغربة والتهميش والاحتقار، وأنهم هم الغرباء في أمريكا.
أما التصوير الغربي وبالأخص الأمريكي للهنود الحمر، كما تبينه عدد من الدراسات، فإنه تصوير قائم على ثنائية التجريم أو الاحتقار، فالمنتجات الثقافية الغربية-الأمريكية؛ كالأفلام والقصص والرسوم المتحركة، تكرس في المراحل العمرية الأولى صورة الهندي الغبي والمغفل والأحمق، لكن في المراحل العمرية اللاحقة يتحول الهندي الأحمر إلى مجرم حقير مدنس للأعراض وقاطع للطريقة و"سالخ لفروة الرؤوس"، وحش بلا رحمة ولا قلب ولا يعترف بقانون.
يقول الكاتب الغربي " ريزارد كابوتشينسكي" في مقال بعنوان "التلاقي بالغريب" 2006م: (لم يكن الإنسان الأبيض، الأوروبي، يغادر قارته إلا بهدف واحد: هو الاحتلال. كان يخرج من دياره ليصبح سيدا على أراض أخرى وللحصول على عبيد أو المتاجرة أو التبشير. غالبا ما كانت تتحول رحلاته إلى حمامات من الدماء، كما جرى لدى اجتياح كريستوف كولومبوس للأميركيتين، تبعها حملة المستعمرين البيض الآتين من القارة العجوز، ثم اجتياح إفريقيا وأستراليا، إلخ).
وبناء على نظرة الغرب لنفسه " كأنا " ونظرته لغيره " كآخر "؛ تشكلت سياسته تجاههم بوصفهم: إما برابرة يجوز احتلال أرضهم وإهدار جميع حقوقهم الإنسانية، لأنهم -كما يقولون- لا يحق لهم ملك الأرض لأنهم بلا قانون ولا إيمان، وإما مجرد عبيد خلقهم الله لخدمة الرجل الأبيض.
يقول فرنسوا شاتليه: (ما نعرفه من أفريقيا، ممالك الغرب التي تنظم بنفسها توريد العبيد، لا يسمح بتصنيف الأفارقة في عداد المتوحشين، ويقال عن الأفريقي: إنه خلق ليخدم).
ولعل هذه النظرة الدونية هي التي دفعت المجتمع الأبيض في أمريكا " الأنا " إلى النظر إلى إخوانهم السود " الآخر" كعبيد لا قيمة لهم، أو لعل قيمتهم تقترب من قيمة الحيوانات التي تستخدم في الزراعة ونحوها!
يقول " مالكم إكس" مخاطبا الأمريكان السود: (من أنتم سوى عبيد سابقين، أنتم لم تأتوا على " المايفلاور "، أنتم أتي بكم على سفينة عبيد مقيدين بالسلاسل مثل الخيول والبقر).
طبعا " المايفلاور " MAYFLOWER هي السفينة التي نقلت المهاجرين والحجاج الإنجليز الأوائل من " بلايموث " في إنجلترا إلى شمال فيرجينيا في أمريكا في عام 1620م.
ولم تكن العنصرية -والتي شكلت موقف الغرب تجاه " الآخر "- مقتصرة على التجار الجشعين، أو رجال السياسة البرجماتيين، بل كانت -أيضا- تحظى بدعم فلسفي وتبرير عقلي من أعمدة الفكر الغربيين، والتي وضعت الأسس الأخلاقية لهذه القضية، وقدمت الدعم المنطقي المبرر لموقف " الأنا " من " الآخر ".
يقول منتسكو في كتابه الشهير " روح القوانين " مبينا حجة من يرى استعباد السود: (إذا كان علي أن أدافع عن حقنا في اتخاذ الزنوج ذوي البشرة السوداء عبيدا، فإنني أقول: إن شعوب أوروبا وقد أفنت سكان أمريكا الأصليين لم يكن أمامها إلا أن تستعبد شعوب إفريقيا، لكي تستخدمها في استصلاح أرجاء أمريكا الشاسعة، وما شعوب إفريقيا إلا جماعات سوداء البشرة من أخمص القدم إلى قمة الرأس، ذات أنوف فطساء إلى درجة يكاد من المستحيل أن ترثي لها، وحاشا لله ذي الحكمة البالغة أن يكون قد أودع روحا أو على الأخص روحا طيبة في جسد حالك السواد).
Page 230