Mawʿiẓat al-muʾminīn min Iḥyāʾ ʿulūm al-dīn
موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين
Editor
مأمون بن محيي الدين الجنان
Publisher
دار الكتب العلمية
Genres
•Sufism and Conduct
Regions
•Syria
وَاجِبَةً كَانَ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِهِ وَاجِبًا، فَمَعْرِفَةُ الذُّنُوبِ إِذًا وَاجِبَةٌ، وَالذَّنْبُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي تَرْكٍ أَوْ فِعْلٍ. ثُمَّ إِنَّ مَثَارَاتِ الذُّنُوبِ تَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ صِفَاتٍ: صِفَاتٍ رُبُوبِيَّةٍ، وَصِفَاتٍ شَيْطَانِيَّةٍ، وَصِفَاتٍ بَهِيمِيَّةٍ، وَصِفَاتٍ سَبُعِيَّةٍ.
فَأَمَّا مَا يَقْتَضِي النُّزُوعَ إِلَى الصِّفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ فَمِثْلُ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَحُبِّ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَحُبِّ دَوَامِ الْبَقَاءِ، وَطَلَبِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ حَتَّى كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى» وَهَذَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ جُمْلَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ غَفَلَ عَنْهَا الْخَلْقُ وَلَمْ يَعُدُّوهَا ذُنُوبًا، وَهِيَ الْمُهْلِكَاتُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ كَالْأُمَّهَاتِ لِأَكْثَرِ الْمَعَاصِي.
الثَّانِيَةُ: هِيَ الصِّفَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ الَّتِي مِنْهَا يَتَشَعَّبُ الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَالْحِيلَةُ وَالْخِدَاعُ وَالْأَمْرُ بِالْفَسَادِ وَالْمُنْكَرِ، وَفِيهِ يَدْخُلُ الْغِشُّ وَالنِّفَاقُ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ.
الثَّالِثُ: الصِّفَةُ الْبَهِيمِيَّةُ، وَمِنْهَا يَتَشَعَّبُ الشَّرَهُ وَالْحِرْصُ عَلَى قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَالسَّرِقَةُ وَأَكْلُ مَالِ الْأَيْتَامِ وَجَمْعُ الْحُطَامِ لِأَجْلِ الشَّهَوَاتِ.
الرَّابِعَةُ: الصِّفَةُ السَّبُعِيَّةُ، وَمِنْهَا يَتَشَعَّبُ الْغَضَبُ وَالْحِقْدُ وَالتَّهَجُّمُ عَلَى النَّاسِ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالْقَتْلِ وَاسْتِهْلَاكِ الْأَمْوَالِ، وَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا جُمَلٌ مِنَ الذُّنُوبِ.
فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ الذُّنُوبِ وَمَنَابِعُهَا، ثُمَّ تَتَفَجَّرُ الذُّنُوبُ مِنْ هَذِهِ الْمَنَابِعِ عَلَى الْجَوَارِحِ، فَبَعْضُهَا فِي الْقَلْبِ خَاصَّةً كَالْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَالنِّفَاقِ وَإِضْمَارِ السُّوءِ لِلنَّاسِ، وَبَعْضُهَا عَلَى الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ، وَبَعْضُهَا عَلَى اللِّسَانِ، وَبَعْضُهَا عَلَى الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَبَعْضُهَا عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَبَعْضُهَا عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى بَيَانِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَاضِحٌ.
انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ:
اعْلَمْ أَنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَقَدْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا فَقَالَ قَائِلُونَ: لَا صَغِيرَةَ وَلَا كَبِيرَةَ، بَلْ كُلُّ مُخَالَفَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ إِذْ قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) [النِّسَاءِ: ٣١] وَقَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) [النَّجْمِ: ٣٢] .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «كُلُّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ» .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي عَدَدِ الْكَبَائِرِ أَقْوَالٌ، وَذَهَبَ «أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ» إِلَى أَنَّهَا سَبْعَ عَشْرَةَ، جَمَعَهَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ:
أَرْبَعٌ فِي الْقَلْبِ: وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِهِ.
وَأَرْبَعٌ فِي اللِّسَانِ: وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنِ، وَالسِّحْرُ، وَالْيَمِينُ
1 / 273