Mawsūʿat al-milal waʾl-adyān
موسوعة الملل والأديان
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
الفرع الأول: موسى ﵇ يبشر بظهور نبي ورسول مثله:
وينزل موسى ﵇ عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه، فيقول مخاطبًا بني إسرائيل: (قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.
وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه) (التثنية ١٨/ ١٧ - ٢٢).
والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى ﵇، ويذكر صفات هذا النبي، والتي نستطيع من خلالها معرفة من يكون.
ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء، وهو عيسى ﵇، فقد قال بطرس في سياق حديثه عن المسيح (فإن موسى قال للآباء: إن نبيًّا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب، وجميع الأنبياء أيضًا من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبؤوا بهذه الأيام) (أعمال ٣/ ٢٢ - ٢٦)، فبطرس يرى نبوءة موسى متحققة في شخص المسيح.
لكن النص دال على نبينا ﷺ؛ إذ لا دليل عند النصارى على تخصيصه بالمسيح، بينما يظهر في النص عند تحليله أدلة كُثر تشهد بأن المقصود به هو نبينا ﷺ؛ إذ يذكر النص التوراتي أوصاف هذا المبعوث المبشر به:
١ - أنه نبي (أقيم لهم نبيًّا)، والنصارى يدَّعون للمسيح الإلهية، بل يدَّعي الأرثوذكس أنه الله نفسه، فكيف يقول لهم: أقيم نبيًّا، ولا يقول: أقيم نفسي، أو أقيم إلهًا.
٢ - أنه من غير بني إسرائيل، بل هو من بين إخوتهم أي: أبناء عمومتهم (من وسط إخوتهم)، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم.
ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ (الأخ) على ابن العم، ومن ذلك قول موسى لبني إسرائيل: (أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو) (التثنية ٢/ ٤)، وبنو عيسو بن إسحاق - كما سلف- هم أبناء عمومة لبني إسرائيل، وجاء نحوه في وصف أدوم، وهو من ذرية عيسو (وأرسل موسى رسلًا من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا) (العدد٢٠/ ١٤)، وفي موضع آخر (لا تكره أدوميا لأنه أخوك) (التثنية ٢٣/ ٧). فسماه أخًا، وأراد أنه من أبناء عمومة إسرائيل.
ومثله سمى (سفر الأيام) الملك صدقيا أخًا للملك يهوياكين، فقال: (أرسل الملك نبوخذ ناصر فأتى به) أي: الملك يهوياكين (إلى بابل مع آنية بيت الرب الثمينة، وملك صدقيا أخاه على يهوذا وأورشليم) (الأيام (٢) ٣٦/ ١٠)، وهو في الحقيقة عمه، كما نص عليه سفر الملوك، فقال: (ملّك ملك بابل متّنيا عمه عوضًا عنه، وغيّر اسمه إلى صدقيا) (الملوك (٢) ٢٤/ ١٧ - ١٨)، فاستخدم لفظ الأخ، ومراده العم، مما يؤكد صحة هذا الاستخدام في قوله: (إخوتهم)، ومراده أبناء عمومتهم.
وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقًا للبركة الموعودة في نسل إسماعيل، وقد يكون من بني عيسو بكر إسحاق. لكن أحدًا من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر.
1 / 340